صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 6 من 22

الموضوع: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

  1. #1
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    Thumbs up سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }



    سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

    للشيخ رشيد رضا { رحمه الله }

    مقدمة الكتاب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كلمة عن بلاد العرب
    بلاد العرب هي شبه جزيرة في الطرف الجنوبي الغربي لقارة آسيا، يحدها شمالاً، الشام وفلسطين والجزيرة، وجنوباً، خليج عدن والمحيط الهندي، وشرقاً، خليج عُمان والخليج الفارسي، وغرباً، خليج ومضيق باب المندب والبحر الأحمر وترعة السويس.
    ويبلغ مجموع مساحة شبه جزيرة العرب مليون ميل مربع، وأعظم طول لها 1400 ميل من العقبة إلى عدن.
    وبلاد العرب عبارة عن هضبة تنحدر نحو الشرق، وجوّها حار ويبلغ عدد سكانها نحو سبعة ملايين وهي موطن الساميين، وينقسم إلى عدة أقسام، أشهرها، اليمن والحجاز وتهامة ونجد واليمامة وبلاد البحرين.
    وتنقسم بلاد اليمن إلى خمسة أقسام: حضرموت وشِحْر ومهرة وعُمان ونجران.
    ويُقال: إن سبب تسمية «حضرموت» بهذا الاسم، هو أن حضرموت بن قحطان كان أول من نزلها، وكان اسمه عامراً وإذا حضر حرباً أكثر فيها القتل. فصاروا يقولون عنه، حضرموت، فأطلق هذا الاسم على الأرض التي كانت تسكنها قبيلته، ثم أطلق بعد ذلك على جهة متسعة شرقي عدن بالقرب من البحر وهي كثيرة الرمال، ويقال: إن بها قبر هود عليه السلام، ويقال: إن اليمن سمي بذلك لوقوعه عن يمين الكعبة إذا استقبلت المشرق، ومن أشهر مدن اليمن (صنعاء) وهي قاعدته، وكانت عاصمة ملوك اليمن، وبقربها معادن للفحم الحجري لم تستغل للآن. وهي ح سنة الأسواق واسعة التجارة وبقربها مدينة (مأرب) المسمَّاة (سبأ) نسبة لعبد شمس الملقب بسبأ، يقال: إنه بنى هناك سداً عظيماً وساق إليه السيول من مكان بعيد، وشيد جزءاً كبيراً من المدينة على السد المذكور، وفي بعض السنين تراكمت الأمطار فدفعت السد وهلك خلق كثير، فسمي السيل (سيل العَرِم) والعرم هو الذي لا يطاق دفعه، وفي تلك الجهات كتابات بالحرف المسند المعروف بالخط الحميري، ومن مدن اليمن (صعدة) إلى الشمال الغربي من صنعاء.
    و (زبيد) إلى الغرب من صنعاء و (بيت الفقيه).



    وبلاد الحجاز واقعة في شمالي اليمن، شرقي البحر الأحمر، وتمتد إلى خليج العقبة، وعلى ساحلها جزائر صغيرة تلتجىء إليها صغار السفن عند الحاجة، وسُمِّيَ «حجازاً» لوقوعه بين نجد وتهامة.
    وأشهر بلاد الحجاز، مكة المسمَّاة قديماً عند علماء الإغريق (ماكورابا)، والمدينة المنورة ــ مدينة الرسول ــ وكانت تسمى مدينة (يثرب) وبها قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شماليها، جبل (أُحد) ويقال للمدينة طيبة ولها أسماء كثيرة، (والطائف) بلدة خصبة، طيبة المناخ، كثيرة البساتين والعيون والجداول واقعة شرقي مكة.

    ومن أشهر بلاده خيبر، وهي واقعة بالشمال الشرقي من المدينة على طريق قوافل الشام، وبها سبعة حصون مشهورة عند العرب وهي: ناعم والقموص، حصن أبي الحقيق، وحصن الشق وحصن النطاة، وحصن السلالم وحصن الوطيح وحصن الكتيبة، وتوصف خيبر بكثرة الحمّيات.
    وقسم تهامة، وهو على ساحل البحر الأحمر بين اليمن جنوباً والحجاز شمالاً، وسُمِّيت تهامة لشدة حرها وركود ريحها.
    ونجد، وهو جنوبي الشام وغربي العراق وشرقي الحجاز وشمالي اليمامة، وأراضيها خصبة وقاعدتها مدينة (الرياض) وكانت مركزاً للوهابيين. وهدمها المرحوم إبراهيم باشا. وإلى الشمال منها، جبل شمر أي جبل (طي) قصبته مدينة الحائل، وأشهر مدنها (أبانا) وهي التي ولد فيها محمد بن عبد الوهاب، شيخ مذهب الوهابية.
    وقسم اليمامة، وهو بين نجد واليمن، ويتصل بالبحرين شرقاً، والحجاز غرباً، ومن مدنه (اليمامة) وكانت مدينة عظيمة، ذات مياه ونخل، وهي مدينة مسيلمة الكذاب.
    ومن أشهر ثغور بلاد العرب، (عَدَن) وهي على الساحل الجنوبي من بلاد العرب، واسعة التجارة، ومَخَا، وهي من الثغور الشهيرة على البحر الأحمر والمركز الأصلي لتجارة اليمن.
    والحديدة، وهي من أشهر مدن اليمن، واقعة على البحر الأحمر، وترسو عليها سفن حجاج الهند.



    وجُدة، على ساحل الحجاز على بعد 65 ميلاً غربي مكة، وهي أحسن ثغور البحر الأحمر.
    والعرب أقدم الأمم بعد الطوفان وتُنسب إلى يقظان أو قحطان. وامتاز العرب بالقوة والشجاعة.
    وقد قسم المؤرخون العرب إلى ثلاثة أقسام: بائدة وعاربة ومستعربة.
    أما البائدة، فهم العرب الأُول الذين ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم لقدم عهدهم وانقطاع أسباب العلم بآثارهم وهم عاد وثمود وطسَمْ وجَديس وجُرْهم الأولى. وكانت مواطن عاد بأحقاف الرمل بين اليمن وعُمان إلى حضرموت والشحر. ولما انتحلوا عبادة الأصنام أبادهم الله، وأما ثمود فكانت ديارهم بالحجر ووادي القرى بين الحجاز والشام، وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال وكانوا أهل كفر وبغي، وأما جديس فكانت ديارهم باليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها ثماراً وحدائق وقصوراً، وأما جُرهم الأولى، فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية فكانوا على عهد عاد واندثروا.
    وأما جُرهم الثانية، فهم من ولد قحطان، وبهم اتصل إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وكانت مساكن بني قحطان بالحجاز، ولما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل في مكة نشأ بينهم وتزوج منهم وصار يطلق على أولاده العرب المستعربة، لأن أصل إسماعيل ولسانه كان عبرانياً ولذلك قيل له ولولده (العرب).

    وأما العرب العاربة، فهم بنو سبأ، واسم سبأ عبد شمس، وقالوا إنه لما أكثر الغزو والسبي، سمي (سبأ) وهو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان لسبأ عدة أولاد، منهم حِمْيَر وكهلان وعمر وأشعر وعاملة، بنو سبأ، وجميع قبائل اليمن وملوكها التبابعة من ولد سبأ، وجميع تبابعة اليمن من ولد حِمْيَر بن سبأ خلا عمران وأخيه موزيقياء فإنهما ابنا عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلب بن مازن بن الأزد. والأزد من ولد كهلان بن سبأ، وقيل لهم (عاربة) لنزولهم بالبادية مع العرب البائدة وتخلقهم بأخلاقهم.



    أما من حيث المعتقد في الجاهلية، فكانت العرب أصنافاً: فصنف أنكروا الخالق والبعث وقالوا بالطبع والحين والدهر المفني كما أخبر الله عنهم في كتابه العزيز: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ} (الجاثية: 24). وصنف اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث، وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاْوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} (قلله: 15).
    وصنف عبدوا الأصنام، وكانت أصنامهم مختصة بالقبائل، فكان وُدّ لكلب وهو بدومة الجندل، وسُواع لهذيل، ويغوث ويعوق لمذحج ولقبائل من اليمن، ونسر لذي الكلاع بأرض حمير، ويعوق لهمدان، واللات لثقيف بالطائف، والعُزى لقريش وبني كنانة، ومناة للأوس والخزرج، وهُبل أعظم أصنامهم وكان على ظهر الكعبة، وكان إساف ونائلة بين الصفا والمروة. وكان منهم من يميل إلى اليهودية. ومنهم من يميل إلى النصرانية. ومنهم من يميل إلى الصابئة ويعتقد في أنواء المنازل. وكان منهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الجن. وكانت علومهم: علم الأنساب والأنواء والتواريخ وتعبير الرؤيا. وكانت الجاهلية تفعل أشياء جاءت الشريعة الإسلامية بها، فكانوا لا ينكحون الأمهات والبنات، وكان أقبح شيء عندهم الجمع بين الأختين، وكانوا يعيبون المتزوج بامرأة أخيه ويسمونه (الضَّيْزَنْ) وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويُحْرِمون ويطوفون ويسعون ويقفون المواقف كلها، ويرمون بالحجارة، وكانوا يكبسون في كل ثلاثة أعوام شهراً ويغتسلون من الجنابة الخ.
    وملوك التبابعة هم بنو حمير، وقيل لهم تبابعة لأنه يتبع بعضهم بعضاً، كلما هلك واحد منهم، قام آخر. ولم يكونوا يسمون الملك منهم بتبع حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت.



    ولم تزل تتوالى الملوك على حمير حتى صار الملك إلى ذي نواس سنة 480م واسمه زُرعة. ولما تغلب على ملك آبائه التبابعة تسمى (يوسف) وتعصَّب لدين اليهودية وحمل عليه قبائل اليمن فاستجمعت معه حمير على ذلك، وأراد أهل نجران عليها وكانوا من بين العرب يدينون بالنصرانية، وكان هذا الدين وقع إليهم قديماً من بقية أصحاب الحواريين. ولما كان ذو نواس يدين باليهودية ويتعصَّب لها، اتخذ أخدوداً وأضرمه ناراً، وكان كل من لم يتهوَّد ألقاه في الأخدود، فقيل له (صاحب الأخدود) ويقال: إن رجلاً من أهل نجران أفلت من القتل وسار حتى قدم على قيصر، صاحب الروم يستنصره على ذي نواس، فبعث إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فحاربه النجاشي وهزمه وانقرض أمر التبابعة سنة 529م ودخل أرياط اليمن بالحبشة وأذل حمير وهدم حصون الملك، وعلى ذلك انتهى ملك حمير من اليمن مدة ذي نواس. وبعد ذلك خرج على أرياط أحد رؤساء الحبشة وحاربه وقتله، ثم أقاموا أبرهة ملكاً وهو الملقب (بالأشرم) وسيأتي ذكره في قصة الفيل، ولما مات أبرهة، تولى بعده ابنه يكسوم سنة 571م وأذل حمير وقبائل اليمن.

    هذا ملخص عن بلاد العرب وتاريخها نقدمه للقراء، وبعدئذ نبدأ بذكر السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

    نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم
    هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بنِ فِهْر بن مالك بن النضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعدّ بن عدنان.



    إن نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان كما هو مذكور ها هنا، وإنما اختلف النسابون من عدنان إلى إسماعيل، لكنهم أجمعوا على أنه ينتهي إلى إسماعيل، وكره الإمام مالك رفع النسب إلى آدم لعدم ثبوته، وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال: «من ها هنا كذب النسابون».
    ومُضر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب.
    وهذا النسب أشرف الأنساب، عن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً». وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

    مناقب أجداده صلى الله عليه وسلم
    النبي صلى الله عليه وسلم من سلالة آباء كرام، وكلهم سادة وقادة، ولهم مكان مكين ومقام بين العرب عظيم، وقد اشتهروا بالحكمة والشجاعة والإقدام والكرم كما يتبين ذلك مما نذكره بالاختصار من مناقبهم وأخبارهم.
    فقد كان (معد) صاحب حروب وغارات على بني إسماعيل، ولم يحارب أحداً إلا رجع بالنصر، وهو أبو العرب.
    وكان (نزار) أجمل أهل زمانه وأرجحهم عقلاً.
    وكان (مضر) جميلاً كذلك، ولم يره أحد إلا أحبه، ومن حكمه المأثورة:
    «خير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق».
    والفواق ما بين الحلبتين، ومضر أول من حدا للإبل وكان من أحسن الناس صوتاً.
    وكان (إلياس) في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه، ومن حكمه:



    «من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة».
    وأما (فهر) فإليه جماع قريش، وما كان فوق فهر فلا يقال له قرشي بل يقال له كناني، واسمه قريش، وكان فهر كريماً يفتش على حاجة المحتاج فيسدها بماله، وهو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح.
    (كعب): وهو الجد الثامن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يجمع قومه يوم العَروبة أي يوم الرحمة وهو يوم الجمعة، فيعظهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وينبئهم بأنه من ولده ويأمرهم باتباعه.
    (مُرَّة): وهو الجد السادس لرسول الله صلى الله عليه وسلم والجد السادس أيضاً لأبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه، وفي مُرة أيضاً يجتمع نسب الإمام مالك بنسب الرسول صلى الله عليه وسلم
    (كلاب): اسمه حكيم، وقيل: عروة، ولقّب بكلاب لأنه كان يكثر الصيد بالكلاب، وهو الجد الثالث لآمنة أمه صلى الله عليه وسلم فهو ملتقى نسب أبيه بنسب أمه، وقيل: إنه أول من سمى الأشهر العربية المستعملة إلى الآن.
    (قُصيّ): ولد حوالي سنة 400م اسمه زيد، ويقال له: مُجمِّع، وبه جمع الله القبائل من قريش في مكة بعد تفرّقها فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس الجبال بمكة، فقسم منازلهم فسمي مجمعاً، وهذا عمل جليل وفضل عظيم لا يتم إلا على يد ذوي النفوس الأبية والهمم العالية، وقُصيّ أول من أوقد نار المزدلفة وكانت توقد حتى يراها من دفع من عرفة، وهو أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم، وقيل: إنما لقِّب قصياً لأنه أُبعد عن أهله ووطنه مع أمه بعد وفاة أبيه، فإنها تزوجت ربيعة بن حرام فرحل بها إلى الشام.

    وفيه يقول حذافة بن غانم:
    أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً
    به جمع الله القبائل من فهر



    وكان إلى قصيّ في الجاهلية حجابة البيت، وسقاية الحاج، وإطعامه المسمى بالرفادة، والندوة وهي الشورى لا يتم أمر إلا في بيته، ولا يعقد عقد نكاح إلا في داره، ولا يعقد لواء حرب إلا فيها، فكان بيته عبارة عن ناد للعرب، بل هو ملجؤهم في جميع المشكلات سواء كانت هذه المشكلات قومية أم شخصية.
    ولما حضرته الوفاة نهى بنيه عن الخمر، ولا بد أنه أدرك مضرتها فنهى أحب الناس إليه عن احتسائها، وتوفي قُصيّ عام 480 فعاش 80 عاماً.
    ومن كلامه الدال على تجاربه ورجاحة عقله:
    «من أكرم لئيماً شاركه في لؤمه، ومن استحسن قبيحاً تُرك إلى قبحه، ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان، ومن طلب فوق قدره استحق الحرمان، والحسود هو العدو الخفي»، وإذا كنا نحكم على الإنسان بكلامه فهذا يدل على أن قُصياً كان يبغض اللؤم والقبح بغضاً شديداً، وكان شجاعاً كارهاً للغرور والحسد.
    (عبد مناف): اسمه المغيرة، وكان يقال له: «قمر البطحاء» لحسنه وجماله، وكانت قريش تسميه الفيّاض لكرمه، وهو الجد الرابع لعثمان بن عفان والجد التاسع للإمام الشافعي.
    (هاشم): واسمه عمرو بن عبد مناف، ويقال له: عمرو العلا لعلو رتبته، وهو أخو عبد شمس، وقد ساد قومه بعد أبيه عبد مناف، وقد وقعت مجاعة شديدة في قريش بسبب جدب شديد حصل لهم، فخرج هاشم إلى الشام فاشترى دقيقاً وكعكاً وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر جُزُراً وجعل ذلك ثريداً وأطعم الناس حتى أشبعهم فسمي بذلك «هاشماً». وكان يقال له: «سيد البطحاء»، والبطحاء مسيل الوادي ــ ولم تزل مائدته منصوبة في السراء والضراء، وكان موسراً يؤدي الحق ويؤمّن الخائف، وهو أول من سنّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة، وفي الصيف إلى الشام، قال الشاعر:
    عمرو الذي هشم الثريد لقومه
    ورجال مكة مسنتون عجاف
    سُنَّتْ إليه الرحلتان كلاهما
    سفر الشتاء ورحلة الأصياف



    وقد جاء ذكر الرحلتين في القرآن الكريم بسورة «قريش» قال تعالى: {لإِيلَفِ قُرَيْشٍ إِيلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَآء وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ} (قريش: 1 ــ 4).
    ومات هاشم بغزة من أرض الشام تاجراً سنة 510م.

    (عبد المطلب): وأمه سلمى بنت زيد النجارية. واسم عبد المطلب شيبة الحمد لأنه ولد وله شيبة، مع رجاء حمد الناس له، وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه خلفه وكان بهيئة رثة لفقره فقيل له: من هذا؟ فقال: عبدي، حياءً ممن سأله. وكان عبد المطلب مجاب الدعوة، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال، وهذا إحساس لطيف ورفق بالحيوان الأعجم، ولذا يقال له: «مطعم الطير»، ويقال له: «الفيَّاض». وكان مفزع قريش في النوائب وملجأهم في الأمور وشريفهم وسيدهم كمالاً وفعالاً، وهو أول من تحنَّث (تعبَّد) بحراء. كان إذا دخل شهر رمضان، صعد حراء وأطعم المساكين. وعاش مائة وعشرين سنة أو أكثر وقد انتهت إليه الرياسة بعد عمه المطلب. وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيَّات الأمور. ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الأصنام ووحَّد الله. وقال دغفل النسَّابة: إن عبد المطلب كان أبيض، مديد القامة حسن الوجه في جبينه نور النبوّة وعز الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أُسْد غاب.
    وهو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل، وأقام سقايتها للحجاج، فكانت له فخراً وعزاً على قريش وعلى سائر العرب.
    وكان يكرم النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه وهو صغير ويقول: «إن لابني هذا لشأناً عظيماً»، وذلك مما كان يسمعه من الكهان والرهبان قبل مولده وبعده. وكانت كنية عبد المطلب «أبا الحارث» كني بذلك لأن الأكثر من ولده الذكور كان اسمه الحارث.



    أولاد عبد المطلب أعمام رسول الله وعماته
    أولاد عبد المطلب عشرة ذكور: عبد الله وأبو طالب «واسمه عبد مناف» والزبير (أمهم فاطمة بنت عمرو المخزومية). العباس ــ جد الخلفاء العباسيين ــ وضرار (أمهما نتيلة العمرية). حمزة والمقوم (أمهما هالة بنت وهب). أبو لهب وهو عبد العزى (أمه لُبنى الخزاعية). الحارث (أمه صفية من بني عامر بن صعصعة). الغيداق (أمه ممنعة) واسمه حجل.
    وست نسوة وهن: صفية وأم حكيم البيضاء وعاتكة وأميمة وأروى وبرة.
    أما (عبد الله) فهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكنى أبا قثم، وقيل: أبا محمد، وقيل: أبا أحمد، وهو أصغر أولاد عبد المطلب.
    وقيل إن عبد المطلب أول من خضب بالوسمة أي السواد، لأنَّ الشّيب أسرع إليه وكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين جميع الشهر، وكان صعوده للتخلي عن الناس يتفكر في جلال الله وعظمته.
    ويؤثر عن عبد المطلب سنن جاء القرآن وجاءت السنّة بها، منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا والحد عليه، وألا يطوف بالبيت عُريان، وتعظيم الأشهر الحرم. وهو أول من سنَّ دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش، ثم نشأت في العرب وأقرَّها رسول الله.
    وكان نديمه في الجاهلية حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والد أبي سفيان، وكان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة فأغرى عليه حرب مَن قتله، فلما علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب، ولم يفارقه حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي حفظاً لجواره، ثم نادم عبد الله بن جُدعان التيمي.

    نذر عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم



    كان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العَنَتَ في حفر بئر زمزم لئن ولد له عشر نفر وبلغوا معه حتى يمنعوه لينحرنَّ أحدهم عند الكعبة لله تعالى، ولم يكن له ولد إلا الحارث.
    وقد ارتاب بعضهم في حكاية هذا النذر، لكنا لا نرى مندوحة عن ذكرها لأنها وردت في أمّهات كتب التاريخ التي استقينا منها، فقد رواها ابن إسحاق ونقلها الطبري وابن الأثير وابن سعد في «طبقاته».
    ولما بلغ أولاد عبد المطلب عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قِدْحاً ثم يكتب فيه اسمه. ففعلوا وأتوه بالقداح، فدخلوا على هُبل في جوف الكعبة وكان أعظم أصنامهم، وهو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة، فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر، وكان عبد الله أصغر إخوته وأحبهم إلى أبيه، فلما أخذ صاحب القداح يضرب، قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم ضرب صاحب القداح فخرج قدح عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى (إساف ونائلة) وهما الصّنمان اللذان ينحر الناس عندهما، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أذبحه. فقالت قريش وبنوه: والله لا ندعك تذبحه أبداً حتى تُعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل منا يأتي بابنه حتى يذبحه، فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه.



    وقالت قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها، فإن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بمالك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى أتوها فقصَّ عليها عبد المطلب خبره، فقالت لهم: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها، ثم غدوا عليها فقالت: نعم قد جاءني الخبر فكم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل وكانت كذلك، قالت: ارجعوا إلى بلادكم وقربوا عشراً من الإبل واضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرج على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشراً ثم اضربوا أيضاً حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
    فخرجوا حتى أتوا مكة ثم قربوا عبد الله وعشراً من الإبل فخرجت القداح على عبد الله، فزادوا عشراً فخرجت القداح على عبد الله، فما برحوا يزيدون عشراً وتخرج القداح على عبد الله حتى بلغت الإبل مئة ثم ضربت فخرجت القداح على الإبل فقال من حضر: قد رضي ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب ثلاث مرات، فضربوا ثلاثاً فخرجت القداح على الإبل فنُحرت، ثم تركت لا يُصدُّ عنها إنسان ولا سبع.

    إن خروج القداح على عبد الله في كل مرة حتى بلغت الإبل مئة من غرائب الصدف، ولولا معارضة قريش وبنيه ومشورة الكاهنة لذهب عبد الله قرباناً لنذر عبد المطلب، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أبا محمد حتى يظهر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
    قد التجأ عبد المطلب إلى هذا النذر لما عارضه عديّ بن نوفل بن عبد مناف في حفر زمزم وآذاه وقال له: «يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك؟»، فقال: «أبالقلة تعيّرني فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكوراً لأنحرن أحدهم عند الكعبة»، وقيل: سفه عليه وعلى ابنه ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما فاشتدت بذلك بلواه وكان معه ولده الحارث ولم يكن له سواه، فنذر ذلك النذر الذي ذكرناه.



    انصرف عبد المطلب بعد أن نحر الإبل آخذاً بيد ابنه عبد الله فمر به على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصيّ وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع عليَّ الآن، فأبى وقال: إن معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه. وكان عبد الله أحسن رجل رئي في قريش، وكان ذا عفة وسماحة، وكانت ولادة عبد الله نحو سنة 545م.

    زواج عبد الله
    خرج عبد المطلب بعبد الله يريد تزويجه حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زُهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة سنّاً وشرفاً، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقل النور منه إليها، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه نفسها فقال لها: «ما لك لا تعرضين عليّ اليوم ما كنت عرضت عليّ بالأمس؟»، فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة؛ وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل ــ وكان قد تنصر واتبع الكتب ــ أنه كائن لهذه الأمة نبيّ. وكان تزويج عبد الله من آمنة بعد حفر زمزم بعشر سنين، وكان اسم عبد الله عبد الدار، فلما كان في السنة التي فُدِيَ فيها قال عبد المطلب: «هذا عبد الله» فسماه يومئذ كذلك.
    وبعد زواج عبد الله بقليل خرج من مكة قاصداً الشام في تجارة وبعد أوبته منها، نزل بالمدينة وهو مريض وبها أخواله من بني النجار، فأقام عندهم شهراً وهو مريض، وتوفي لشهرين من الحمل بابنه محمد صلى الله عليه وسلم ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت وله خمس وعشرون سنة ، وهذا هو المشهور، وقيل: ثمان وعشرون سنة ، وترك عبد الله جاريته أم أيمن بركة الحبشية، وخمسة جمال وقطعة من غنم، وقد رثته آمنة بهذه الأبيات:
    عفا جانبُ البطحاء من آل هاشم
    وجاور لحداً خارجاً في الغماغم



    دعته المنايا دعوةً فأجابها
    وما تركت في الناس مثلَ ابن هاشم
    عشيّةَ راحوا يحملون سريره
    تعاوره أصحابُه في التزاحم
    فإن تك غالته المنون وريبُها
    فقد كان مِعطاء كثير التراحم
    إن آمنة وعبدالله لم يلدا غير رسول الله ولم يتزوج عبدالله غير آمنة، ولم تتزوج آمنة غيره.

    أصحاب الفيل
    من الحوادث المهمة التي وقعت عام مولده صلى الله عليه وسلم حوالي سنة 570 من الميلاد قدوم أبرهة الأشرم ملك اليمن إلى مكة لهدم الكعبة وهذه خلاصتها:
    إن الحبشة ملكوا اليمن بعد حمير فلما صار المُلك إلى أبرهة بن الصباح الأشرم، بنى كنيسة عظيمة بصنعاء إلى جنب غُمدان يقال لها القُليس لم ير مثلها في زمانها بناها بالرخام وجيد الخشب المذهب وقصد أن يصرف حج العرب إليها ويبطل الكعبة، فلما تحدث العرب بذلك غضب رجل من النّساءة من بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.



    والنساءة الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب في الجاهلية فيحلون الشهر من الأشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من الأشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا النَّسِىء زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (التوبة: 37)، قال ابن هشام: ليواطئوا ليوافقوا؛ وكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما حرم القلمس وهو حذيفة بن عبد الله بن فقيم، وأول الأشهر الحرم «المحرم»، فخرج الكناني حتى أتى القليس «الكنيسة» وتغوّط فيها ليلاً ثم خرج فلحق بأرضه، فلما أُخبر بذلك أبرهة غضب وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه (وسُمي هذا العام بعام الفيل) فلما وصل إلى الطائف بعد أن هزم من تعرض له من العرب، بعث رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود إلى مكة فساق أموال أهلها وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وأحضرها إلى أبرهة، وأرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، فسأل فقيل له عبد المطلب فقال له: إن الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه ولا لنا بذلك طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن لم يمنعه منه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. ثم انطلق عبد المطلب مع رسول أبرهة إليه فلما استؤذن لعبد المطلب قالوا لأبرهة: هذا سيد قريش فأذن له فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال له: حاجتك؟ فذكر عبد المطلب أباعره التي أخذت له، فقال أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حتى كلمتك، أتكلمني عن


    مائة بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه، فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل فانصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز بالجبال والشعاب تخوفاً عليهم معرة الجيش وقد كانوا أكثر من قريش عدداً، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجيشه، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

    لا هُمَّ إن العبد يمـ
    ــــــــــنع رحله فامنع حِلالك
    لا يغلبن صليبهم
    ومحالهمِ غدواً محالك
    إن كنت تاركهم وقبـ
    ــــــــــــلتنا فأَمرٌ ما بدا لك
    فلما تهيأ أبرهة لدخول مكة وهيأ فيله الأعظم (محموداً) وهو مجمع على هدم البيت فكانوا كلما وجهوا الفيل إلى مكة برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى سائر الجهات قام يهرول. ويقال: كان عدد الفيلة في هذه الموقعة ثلاثة عشر فيلاً، وبينما هم كذلك أرسل الله عليهم طيراً أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار، واحد في منقاره واثنان في رجليه فقذفتهم بها وهي مثل الحمص والعدس لا تصيب أحداً منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت، ثم أرسل الله تعالى سيلاً فألقاهم في البحر والذي سلم منهم ولى هارباً مع أبرهة إلى اليمن يبتدر الطريق وأصيب أبرهة بتساقط أعضائه وخرجوا به معهم تتساقط أعضاؤه حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قبله، وقيل: أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، ولما مات أبرهة، ملك مكانه ابنه يكسوم سنة 571م.



    ونظراً لأهمية هذا الحادث صار العرب يؤرخون به؛ إذ لو تغلب أبرهة على قريش وتم له هدم الكعبة لأدخلت الديانة المسيحية مكة وأُرغم العرب على اعتناقها لأن اليمن كانت تابعة لأمراء الحبشة المسيحيين وأُرغم كثير من أهلها سواء من عباد الأصنام أو اليهود على اعتناق المسيحية وكانت قريش تؤرخ السنين بموت قصيّ بن كلاب لجلالة قصيّ، فلما كان عام الفيل أرخت به.
    وقد ذكرت حادثة الفيل في القرآن قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} (الفيل: 1 ــ 5).
    يخبر الله تعالى رسوله بما حدث لأصحاب الفيل أي الجيش الذي سار لهدم الكعبة، ومعهم الفيل وما كان من انهزامهم بما سلطه الله عليهم من جماعات الكير ترمي العدو بحجارة من سجيل، وتفسير السجِّيل، طين يابس أو متحجر. وورد ذكر السجيل أيضاً في القرآن في سورة الحجر، قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} (الحجر: 74)، أي على قوم لوط، وقال في سورة هود: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ} (هود: 82).

    وقد أخطأ من فسّره بالميكروب، لأن اللفظ لا يفيد ذلك في اللغة، وقد فتكت هذه الأحجار الصغيرة بالجيش الهاجم فعاد مهزوماً من غير أن يبلغ مأربه، وجعلهم كعصف مأكول أي كورق زرع تأكله الدواب، فلما أصيبوا بهذه الحجارة تساقطت لحومهم، فإن قيل: كيف يتصور أن هذه الحجارة الصغيرة تفتك بالجيش؟ فهذه قدرة الله سبحانه وتعالى، وقد كان قادراً على أن يهزمهم ويردهم من غير أن يسلط عليهم الطير ولكنه جعل ذلك سبباً.
    وبانهزام الحبشة كما تقدم حفظ الله بيته الحرام من أن يهدم، وقد صار فيما بعد قبلة المسلمين في جميع أقطار الأرض.




    مولده صلى الله عليه وسلم 0 أغسطس سنة 570م
    ولد النبي صلى الله عليه وسلم في فجر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول 20 أغسطس سنة 570 م (وأهل مكة يزورون موضع مولده في هذا الوقت) في عام الفيل، ولأربعين سنة خلت من حكم كسرى أنوشروان خسرو بن قباذ بن فيروز بمكة في المكان المعروف بسوق الليل في الدار التي صارت تدعى بدار محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران أم الهادي والرشيد فجعلته مسجداً يُصلى فيه وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب. ونزل على يد الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف فهي قابلته، رافعاً بصره إلى السماء واضعاً يده بالأرض. وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل ولا وحم ولا غير ذلك. ولما ولدته أمه عليه الصلاة والسلام أرسلت إلى جده وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها فقالت له: يا أبا الحارث ولد لك مولود عجيب، فذعر عبد المطلب وقال: أليس بشراً سوياً؟ فقالت: نعم، ولكن سقط ساجداً ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء فأخرجته ونظر إليه وأخذه ودخل به الكعبة وعوَّذه ودعا له ثم خرج ودفعه إليها، وهو الذي سماه محمداً، فقيل: كيف سميت بهذا الاسم وليس لأحد من آبائك؟ فقال: إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم، وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفتح والابتهاج فإن قريشاً كانت قبل ذلك في جدب وضيق عظيم فاخضرّت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم الرغد في تلك السنة ، ومن عجيب ما وقع عند ولادته ما رُوي من ارتجاج إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته وذلك إشارة إلى أنه لم يبق من ملوكهم المستبدين بالملك إلا أربعة عشر ملكاً، فهلك عشرة في أربع سنين وهلك أربعة إلى زمن عثمان رضي الله عنه، وغيض بحيرة طبرية بفلسطين إشارة إلى أنه يحصل لأصحابها بأس شديد، وخمود نار فارس



    وكان على ما يقال لها ألف عام لم تخمد كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في «الهواتف» وابن عساكر. ومن ذلك أيضاً ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين ومنعهم من استراق السمع، ولقد أحسن الشقراطيسي حيث قال:
    ضاءت لمولده الآفاق واتصلت
    بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
    وصَرْح كسرى تداعى من قواعده
    وانقضّ منكسر الأرجاء ذا ميل
    ونار فارس لم توقد وما خمدت
    مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
    خرَّت لمبعثه الأوثان وانبعثت
    ثواقب الشهب ترمي الجن بالشهب
    وينسب بعضهم ذلك إلى أنه حدث في ذلك الوقت زلزال عظيم، قال اليعقوبي في «تاريخه»: «وأصابت الناس زلزلة عمت جميع الدنيا» الخ، ويُروى أن الرشيد أراد هدم إيوان كسرى فقال له وزيره يحيى بن خالد البرمكي: يا أمير المؤمنين، لا تهدم بناء هو آية الإسلام، وقال البوصيري في الهمزية:

    وتداعى إيوان كسرى ولولا
    آية منك ما تداعى البناء
    وغدا كل بيت نار وفيه
    كربة من خمودها وبلاء
    وعيون للفرس غارت فهل كا
    ن لنيرانهم بها إطفاء
    وفي سابع يوم من ولادته صلى الله عليه وسلم عَقَّ عنه جده بكبش.

    الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم
    قال الإمام أبو شامة شيخ النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء، مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما منَّ به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.



    قال السخاوي: إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. وقال ابن الجوزي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، وأول من أحدثه من الملوك، الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل، وألف له الحافظ بن دحية تأليفاً أسماه: «التنوير في مولد البشير النذير» فأَجازه الملك المظفر بألف دينار، وصنع الملك المظفر المولد وكان يعمله في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهماً شجاعاً بطلاً عاقلاً عادلاً، وقيل: إنه كان يصرف على المولد ثلاثمائة ألف دينار.


    وكان السلطان أبو حمو موسى صاحب تلمسان يحتفل ليلة المولد غاية الاحتفال كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله. ومن احتفاله له ما حكاه الحافظ سيدي أبو عبد الله التنسي، ثم التلمساني في كتابه «راح الأرواح فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر، وقيل فيه من الأمداح» وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح ونصه. إنه كان يقيم ليلة الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بمشورة من تلمسان المحروسة مدعاة حفيلة يحشر فيها الناس خاصة وعامة فما شئت من نمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، وبسط موشاة ووسائد بالذهب مغشاة، وشمع كالأسطوانات وموائد كالهالات، ومباخر منصوبة كالقباب يخالها المبصر تبراً مذاباً، ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة كأنها أزهار الربيع المنمنمة، فتشتهيها الأنفس وتستلذها النواظر ويخالط حسن رياها الأرواح ويخامر رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال، وبعقب ذلك يحتفل المستمعون بأمداح المصطفى عليه الصلاة والسلام، ومفكرات ترغب في الإقلاع عن الآثام يخرجون فيها من فن إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب، وبالقرب من السلطان رضوان الله تعالى عليه خزانة المنجانة قد زخرفت كأنها حُلة يمانية لها أبواب موجفة على عدد ساعات الليل الزمانية فمهما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها وفتح عند ذلك باب من أبوابها وبرزت منه جارية صورت في أحسن صورة، في يدها اليمنى رقعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة فتضعها بين يدي السلطان بلطافة ويسراها على فمها كالمؤدية بالمبايعة حق الخلافة. هكذا حالهم إلى انبلاج عمود الصباح ونداء المنادي حيّ على الفلاح، انتهى.

    وفي زماننا هذا يحتفل المسلمون بيوم مولده صلى الله عليه وسلم في جميع الأمم الإِسلامية، وفي القطر المصري تتلى الأذكار وتوزع الصدقات على الفقراء والمحتاجين، وفي القاهرة يتحرك موكب أرباب الطرق بعد الظهر أمام المحافظة ويسير قاصداً ميدان الاحتفال بالعباسية مجتازاً شوارع تحت الربع فالسكرية فالغورية فميدان الإشراقية فالفحامين فالحسينية فالعباسية ويشتد الزحام في هذه الشوارع وتتقدم الموكب كوكبة من فرسان رجال الشرطة وتحف به من الجانبين قوة من رجال الجيش، وقد جرت عادة الحكومة أن تحتفل بهذا اليوم المبارك احتفالاً رسمياً في العباسية حيث تقام سرادقات للوزارات ويتوجه جلالة الملك أو نائبه إلى مكان الاحتفال وهناك يستعرض الحامية المصرية على أثر وصوله، ثم ينتقل إلى السرادق ويستقبل رجال الطرق الصوفية بأعلامهم وبعدئذ يقصد سرادق شيخ مشايخ الطرق الصوفية فيستمع لتلاوة القصة النبوية وبعد سماعها يخلع على تاليها الخلعة الملكية وتدار المرطبات والحلوى على الحاضرين ثم ينصرف بعد ذلك بموكبه الحافل أثناء قصف المدافع، وفي المساء تنار الزينات المقامة على السرادقات وتطلق الألعاب النارية البديعة، وفي الصباح تعطل الحكومة وزاراتها ومصالحها وتتلى القصة النبوية الشريفة في المشهد الحسيني بحضور محافظ مصر، وقد أبطلت بدع كثيرة بفضل عناية رجال الدين ويقظة رجال الإدارة.
    هذا ولا نزال نطالب ولاة الأمور بمنع كل ما يخالف الدين من آثار وما يجري في الموالد عادة لأن ذلك يشوِّه محاسن الإسلام ويفسد المقاصد الشريفة من إقامة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم







  2. #2
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    افتراضي رد: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

    أسماؤه صلى الله عليه وسلم


    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميّ، وأنا العاقب (والعاقب الذي ليس بعده نبي) وقال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة، وأنا المقفى وأنا الحاشر وأنا نبي الملاحم»، وفي «التهذيب»: سمَّاه الله عز وجل في القرآن رسولاً، نبيّاً شاهداً، مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ورؤوفاً رحيماً، وجعله رحمة ونعمة وهادياً صلى الله عليه وسلم ومن أسمائه: الفاتح، وطه، ويس، وعبد الله وخاتم الأنبياء والمختار، وكنيته أبو القاسم وكناه جبريل «أبا إبراهيم».

    مرضعاته صلى الله عليه وسلم
    أرضعته صلى الله عليه وسلم من النساء ثمان وقيل أكثر، أولاهن أمه آمنة ثم ثويبة الأسلمية جارية عمه أبي لهب التي أعتقها حين بشرته بولادته أياماً قبل قدوم حليمة، وخولة بنت المنذر وأم أيمن، وامرأة سعدية غير حليمة، وثلاث نسوة من العواتك.



    وأكثرهن إرضاعاً له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وتكنَّى أم كبشة. وكان من عادة العرب إذا ولد لهم مولود أن يلتمسوا له مرضعة من غير قبيلتهم ليكون أنجب للولد وأفصح له، فجاءت نسوة من بني سعد إلى مكة يلتمسن الرضعاء ومعهن حليمة السعدية في سنة شديدة القحط، فكل امرأة أخذت رضيعاً إلا حليمة وقد كانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها ــ الحارث بن عبد العزى ــ وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء، قالت: وهي سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً، فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثدييّ ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً فقلت لزوجي: والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فقال: لا بأس عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل على ثدييَّ بما شاء من لبن فشرب حتى رُوي وشرب معه أخوه حتى رُوي ثم ناما وما كنا ننام منه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً فبتنا بخير ليلة، وقال صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، فقلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حُمُرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب ويحك


    اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها شأناً، ثم قدمنا منازلنا في بلاد بني سعد وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً وما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبناً فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فلم نزل بها حتى ردته معنا.6

    شق الصدر
    قالت حليمة: فرجعنا فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بَهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو؟.



    قالت: فرجعنا إلى خبائنا وقال لي أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ فقلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي عليَّ وتخوفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني لشأناً أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بُصرى من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
    كان أول ما شق صدره عليه الصلاة والسلام في السنة الثالثة من عمره، وقيل: في الرابعة وذلك لتطهيره وإخراج حظ الشيطان منه، وشق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كما رواه البخاري، ويقول مؤرخو الإفرنج ومنهم الأستاذ نيكولسون في كتابه «تاريخ أدب العرب» صفحة (147 ــ 148) طبعة 1907 وكذا الأستاذ موير في كتابه «حياة محمد» إن هذه نوبة صرعية، وهذا مردود لأنه لم تُشاهد فيه علامات الصرع طول عمره.
    وإلى قصة إرضاعه صلى الله عليه وسلم يشير صاحب الهمزية حيث يقول:
    وبدت في رضاعه معجزات
    ليس فيها عن العيون خفاء
    إذ أبته ليتمه مرضعات
    قلن ما في اليتيم عنا غناء
    فأتته من آل سعد فتاة
    قد أبتها لفقرها الرضعاء
    أرضعته لبانها فسقتها
    وبنيها ألبانهن الشاء
    أصبحت شوّلاً عجافاً وأمست
    ما بها شائل ولا عجفاء
    أخصب العيش عندها بعد محل
    إذ غدا للنبيِّ منها غذاء
    يا لها منة لقد ضوعف الأجـ
    ــــر عليها من جنسها والجزاء
    وإذا سخّر الإله أناساً
    لسعيد فإنهم سعداء

    الحض على قتله صغيرا



    وكانت حليمة كلما مر جماعة من اليهود وحدثتهم بشأنه صلى الله عليه وسلم حضوا على قتله وكلما عرضته على العرافين في الأسواق، صاحوا بقتله وكانوا يقولون: اقتلوا هذا الصبيّ فليقتلن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم، وعن حليمة رضي الله عنها أنه مر بها جماعة من اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا حملته أمه كذا ووضعته كذا ورأت عند ولادته كذا وذكرت لهم كل ما سمعته من أمه وكلّ ما رأته هي بعد أن أخذته وأسندت الجميع إلى نفسها كأنها هي التي حملته ووضعته، فقال أولئك اليهود بعضهم لبعض: اقتلوه، فقالوا: أوَ يتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا: لو كان يتيماً قتلناه لأن ذلك عندهم من علامات نبوته، وعن حليمة أيضاً رضي الله عنها أنها نزلت به صلى الله عليه وسلم بسوق عكاظ وكان سوقاً للجاهلية بين الطائف ونخلة، المحل المعروف، كانت العرب إذا قصدت الحج أقامت بهذا السوق شهر شوال يتفاخرون ويتناشدون الأشعار ويبيعون ويشترون، فلما وصلت به حليمة سوق عكاظ رآه كاهن من الكهان فقال: يا أهل عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له مُلكاً، فمالت به وحادت عن الطريق فأنجاه الله.
    وقد رأت حليمة السعدية من النبي صلى الله عليه وسلم الخير والبركة وأسعدها الله بالإسلام هي وزوجها وبنوها.

    وفاة آمنة
    بعد أن ردت حليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت به أمه مرة إلى المدينة سنة 575 ــ 576م لزيارة أخواله من بني النجار، أي أخوال جده عبد المطلب فمرضت وهي راجعة به، وماتت ودُفنت بالأبواء بين مكة والمدينة وعمره ست سنين وكان عمر آمنة حين وفاتها ثلاثين سنة .
    وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه بالأبواء في ألفِ مُقَنَّعِ، فبكى وأبكى، أي في ألف فارس مغطى بالسلاح.



    فحضنته أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيه وحملته إلى جده عبد المطلب بن هاشم الذي كان يحبه ويكرمه فقد كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم:
    «دعوا ابني فوالله إن له لشأناً».
    ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.
    وبوفاة أمه صار يتيماً وقد أُشير إلى يتمه في القرآن قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} (الضحى: 6)، وفي السنة التي استقل جده صلى الله عليه وسلم فيها بكفالته رمد الرسول رمداً شديداً.

    عبد المطلب يهنّىء سيف بن ذي يزن
    لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أتته وفود العرب وأشرافها وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم وأمية بن عبد شمس وأسد بن عبد العزى وعبد الله بن جُدعان فقدموا عليه وهو في قصر يقال له غُمدان ــ بضم الغين ــ فطلبوا الإذن عليه فأذن لهم وتكلم عبد المطلب مهنئاً. ولما فرغ أدناه وقربه ثم استنهضوا إلى دار الضيافة وقاموا ببابه شهراً لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم في الانصراف، ثم انتبه إليهم انتباهة فدعا بعبد المطلب من بينهم فخلا به وأدنى مجلسه وقال:
    «يا عبد المطلب إني مفوض إليك من علمي أمراً لو غيرك كان لم أبح له به ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه فليكن مصوناً حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره، إني أجد في العلم المخزون والكتاب المكنون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيماً فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس كافة ولرهطك عامة ولنفسك خاصة».



    قال عبد المطلب: «مثلك يا أيها الملك برّ، وسرّ، وبشّر، ما هو؟ فداك أهل الوبر زمراً بعد زمر».
    قال ابن ذي يزن: «إذا ولد مولود بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، إلى يوم القيامة».
    قال عبد المطلب: «أبيت اللعن لقد أُبت بخير ما آب به أحد فلولا إجلال الملك لسألته عما سارّه إلى ما ازداد به سروراً».
    قال ابن ذي يزن: «هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مراراً، والله باعثه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويفتتح كرائم الأرض، ويضرب بهم الناس عن عرض، يخمد الأديان، ويكسر الأوثان ويعبد الرحمن، قوله حكم وفصل، وأمره حزم وعدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله».
    فقال عبد المطلب: «طال عمرك، ودام ملكك، وعلا جدك، وعز فخرك، فهل الملك يسرني بأن يوضح فيه بعض الإيضاح؟».
    فقال ابن ذي يزن: «والبيت ذي الطنب، والعلامات والنصب، إنك يا عبد المطلب لجده من غير كذب».
    فخرَّ عبد المطلب ساجداً، وقال ابن ذي يزن: «ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئاً مما ذكرت لك؟».
    فقال عبد المطلب: «أيها الملك، كان لي ابن كنت له محباً وعليه حدباً مشفقاً، فزوجته كريمة من كرائم قومه، يقال لها: آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة فيه كل ما ذكرت من علامة، مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه».



    قال ابن ذي يزن: «إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظ ابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً، إطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيبغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهاجره. فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار هجرته، وبيت نصرته، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنّه وأوطأت أقدام العرب عقبه ولكني صارف إليك ذلك عن تقصير مني بمن معك».
    ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشر إماء سود وخمسة أرطال فضة وحلتين من حلل اليمن وكرش مملوءة عنبراً، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال:
    «إذا حال الحول فأنبئني بما يكون من أمره».
    فما حال الحول حتى مات ابن ذي يزن، فكان عبد المطلب بن هاشم يقول: «يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاد ولكن يغبطني بما يبقى لي ذكره وفخره ولعقبي»، فإذا قالوا له: وما ذاك؟ قال: سيظهر بعد حين، اهـ.
    وفي «أسد الغابة» أن سيف بن ذي يزن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر جده عبد المطلب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم



    كانت اليمن تابعة للحبشة فكره أهلها حكمهم ونهض سيف بن ذي يزن لاسترداد عرش آبائه فسعى لدى الإمبراطورية الرومانية لشد أزره فلم يفلح فالتجأ إلى ملك الفرس فأمده بجيش فحارب الحبشة وانتصر عليها وقتل واليها الذي كان يدعى مسروقاً وذلك حوالي سنة 575م ويوافق العام الذي توفيت فيه آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس هناك اعتراض على ذهاب الوفود العربية لتهنئة ابن ذي يزن من الوجهة التاريخية، أضف إلى ذلك أن الواجب يقضي على رؤساء العرب بذلك لقرابتهم وجوارهم واشتراك مصالحهم التجارية لأنهم كانوا يرحلون إلى اليمن للتجارة في الشتاء كما كانوا يرحلون إلى الشام صيفاً.
    وقد اعترض الأستاذ «فيل»
    Weil على صحة القصة المتقدّمة من الوجهة التاريخية وفيما شرحه الأستاذ «برسيفال» M.C. de Perceval رد على اعتراضه لأنه أثبت انهزام الحبشة لأول مرة في سنة 575م وإن كانت لم تطرد نهائياً من اليمن إلا سنة 597م، أما الأستاذ موير فإنه لم يستطع تكذيب ذهاب الوفود ومعهم عبد المطلب (الذي كان وقتئذ حاكم مكة) تكذيباً باتّاً بل قال: إن القصة تشمل مبالغات كثيرة فيما يتعلق بالإخبار عن النبي المنتظر وهذا ما جعله يرتاب فيها، على أن المتتبع للسيرة النبوية يجد أن هذه القصة ليست فريدة في بابها من حيث الإخبار برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ما أخبر به سيف عبد المطلب قاله بحيرى لأبي طالب وعرفه سلمان الفارسي وأذاعه أحبار اليهود مما سنعنى بذكره مفصلاً في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

    ولعل ما أخبر به ابن ذي يزن عبد المطلب كان من الأسباب التي جعلت عبد المطلب يكرم النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لأولاده إذا نحّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجلسه لصغره: (دعوا ابني فوالله إن له لشأناً).



    إن الطفل الصغير، ذا المستقبل العظيم، تظهر عليه آيات العظمة والذكاء منذ نعومة أظفاره، ويكون له جاذبية خاصة تميزه عن سائر الأطفال بل تميزه عن إخوته إذا كان له إخوة، ويكون محبوباً مفضلاً على غيره أينما حل، وهذا هو شأن عظماء الرجال كما تلونا من سيرهم.
    فكان عبد المطلب، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرعاه رعاية خاصة ويؤثره على أولاده بسبب تلك الجاذبية والعظمة الكامنة فيه منذ الصغر، وهذه العظمة كانت تزداد وضوحاً كلما ترعرع وكبر، وقد ثبت مما رواه الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له جاذبية غريبة فكانوا يحبونه محبة فائقة ولا يخالفون له أمراً.
    إن عبد المطلب لم يكن يعلم أن محمداً، ذلك الطفل الصغير، سيكون رسول الله، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بتلك الجاذبية التي لازمته طول مدة حياته وبتلك العظمة الكامنة فيه، وهذا هو السر في محبته وشدة رعايته له ولا سيما أن عبد المطلب كان رجلاً عظيماً جليلاً ذا فطنة وفراسة فكان يقول لأولادهسيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }دعوا ابني فوالله إن له لشأناً).

    وفاة جده عبد المطلب سنة 578 موكفالة عمه أبي طالب
    لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات توفي جده عبد المطلب بمكة سنة 578 م بعد عام الفيل بثماني سنين وله عشر ومائة سنة ، وقيل أكثر من ذلك، وكان رسول الله يبكي خلف سريره ودُفن بالحجون، جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها عند قبر جده قصيّ، ولما حضرته الوفاة أوصى به إلى عمه شقيق أبيه «أبي طالب» واسمه عبد مناف وعبد الكعبة وكان كريماً لكنه كان فقيراً كثير الأولاد، وكان يرى منه صلى الله عليه وسلم الخير والبركة ويحبه حباً شديداً ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متى خرج، وأوصى عبد المطلب إلى أبي طالب أيضاً بسقاية زمزم وإلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة.
    وفي هذه السنة مات حاتم الطائي وكسرى أنوشروان.



    وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال:
    قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب فهلم فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجى تجلت عنه سحابة قتماء حوله أغيلمة (جمع غلام مصغر) فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام بأصبعه (أشار بأصبعه إلى السماء كالمتضرع الملتجىء) وما في السماء قزعة (قطعة من سحاب) فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق (كثر مطره) وانفجر الوادي وأخصب النادي وفي ذلك يقول أبو طالب مادحاً النبي صلى الله عليه وسلم
    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
    ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
    يلوذ به الهلاك من آل هاشم
    فهم عنده في نعمة وفواضل
    (الثِمال) بكسر المثلثة الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في الشدة، (عصمة للأرامل) أي يمنعهم من الضياع والحاجة، هذان بيتان من قصيدة طويلة لأبي طالب، وقد شاهد أبو طالب هذا الاستسقاء فنظم هذه القصيدة وقد شاهده مرة أخرى قبل هذه، فروى الخطابي حديثاً فيه أن قريشاً تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس (بالتصغير اسم الجبل المشرف على مكة) فقام عبد المطلب واعتضده صلى الله عليه وسلم فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام فقال أيفع أو قرب ثم دعا فسقوا في الحال، فقد شاهد أبو طالب ما دله على ما قال أعني قوله:
    «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه».



    وكان الاستسقاء في الجاهلية الأولى بخلاف هذه الطريقة فكانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات واشتد الجدب واحتاجوا إلى الأمطار يجمعون بقراً معلقة في أذنابها وعراقيبها السلعَ والعُشر ويصعدون بها إلى جبل وعر ويشعلون فيها النار ويفرقون بينها وبين أولادها ويسوقون البقر إلى ناحية المغرب دون سائر الجهات وتسمى هذه النار التي يشعلونها نار الاستمطار، قال ابن أبي الحديد: وإنما ضرموا النيران في أذناب البقر تفاؤلاً للبرق بالنار ويضجون بالدعاء والتضرع وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصل بها إلى نزول الغيث.


    كان عبد الله أبو رسول الله وأبو طالب من أم واحدة، ورُوي أن أبا طالب قال لأخيه العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه؟ فقال: بلى، فقال: إني ضممته إليّ فكنت لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ولا آتمن عليه أحداً، إني كنت أنوّمه في فراشي فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهة في وجهه لكنه كره أن يخالفني، وقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب، والله ما أدخلته فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني: ها أنا يا عم فأرجع ولقد كنت كثيراً ما أسمع منه كلاماً يعجبني وذلك عند مضي بعض الليل، وكنا لا نسمّي على الطعام والشراب ولا نحمد بعده وكان يقول في أول الطعام: باسم الله الأحد، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله، فتعجبت منه ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون.

    السفر إلى الشام سنة 582م
    لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في ركب للتجارة سنة 582م فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وهي قصبة حوران وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان وكان ببصرى راهب يقال له بَحِيرا في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهباً، إليه يصير علمهم عن كتاب يتوارثونه كابراً عن كابر.



  3. #3
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    افتراضي رد: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

    فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام نزلوا به قريباً من صومعته، فصنع لهم طعاماً كثيراً وذلك عن شيء رآه وهو في صومعته.


    فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت أغصانها (مالت) على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها.
    فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم.
    قال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك لشأناً اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا: صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً فتأكلون منه كلكم. فاجتمعوا وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده قال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلاماً وهو أحدث القوم سنّاً فتخلف في رحالهم. فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. ثم قام إليه رجل من قريش فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرا فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعُزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؟ وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فأبى رسول الله أن يستحلفه بهما، فقال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال له: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله ومن نومه وهيئته، فجعل رسول الله يخبره بخبره فيوافق ذلك ما عند بَحيرا من صفته ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه وكان مثل أثر المحجمة (يعني أثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئاً) فلما فرغ أقبل على



    عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال له بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شراً فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.

    إن بحيرا لما عرف رسول الله تخوّف عليه من اليهود فنصح لأبي طالب بالرجوع به سريعاً والمحافظة عليه، وقد روت حليمة أن اليهود كانوا إذا رأوه وعرفوه حضّ بعضهم بعضاً على قتله حتى إنها كانت تضطر إلى الاختفاء به والابتعاد عنهم، وعلى كل حال كانوا ينتظرون في ذلك الوقت ظهور نبيّ وكان بعض المتعمقين في الدين يعرفون علامات ذلك النبي، وسنذكر فيما بعد أوصافه صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة ولا شك أن عالماً مثل بحيرا كان يعرفها.

    الرد على مستر موير
    قال مستر ويليام موير في كتابه (حياة محمد) بشأن رحلته صلى الله عليه وسلم مع عمه إلى الشام:
    «إن جميع الذين دونوا سيرة الرسول قد ذكروا تفاصيل كثيرة مضحكة عن هذه الرحلة تدل على عظمة نبوته المنتظرة».



    ثم أورد قصة سفره كما ذكرت في هذا الكتاب وكما ذكرها المؤرخون، وإنا لا ندري لماذا كانت هذه التفاصيل مضحكة في نظر مستر موير إنه يعترف بأن جميع المؤرخين رووا هذه التفاصيل ولا شك أنه يستقي منهم سيرة الرسول، ومن بينهم من يعتمد عليه ويحتج بكلامه ويرفض ما يريد رفضه إذا لم تكن الحادثة أو الرواية واردة في كتبهم أو إذا طرأ تحريف في نص كلامهم، فهو يعوّل مثلاً على ابن إسحاق وعلى الطبري والواقدي وغيرهم فكان الواجب عليه باعتبار كونه مؤرخاً أن يقر هذه التفاصيل التي ذكرها جميع المؤرخين بلا استثناء، هذا وليس لديه رواية أثبت من روايتهم تعارض أو تنفي ما ذكروه، أما كون هذه التفاصيل مضحكة، فهذا ما لم يقل به أحد من أكابر المؤرخين الذين استمد منهم مادته، وكان ينبغي عليه أن يقدر موقفه ويعلم أنه إنما يكتب تاريخ نبي لا شخص عادي، فالأنبياء والرسل تقع في حياتهم أمور خارقة تدل على نبوتهم وتؤيد رسالتهم فالتي تقع قبل النبوة كالخوارق التي حدثت في مولده صلى الله عليه وسلم وما شاهدته حليمة من تيسير الرزق والبركة وشق الصدر وما حدث أثناء سفره إلى الشام تسمى إرهاصات، والتي تقع بعد النبوة تسمى معجزات، وكرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء غير أنهم لم يدعوا النبوة، ويجب الإيمان بالأولياء قال تعالى: {أَلآ إِنَّ أَوْلِيَآء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62)، ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم وقعت منه خوارق العادات قبل النبوة وبعدها ولا سبيل إلى إنكار مجموع إرهاصاته ومعجزاته، أولاً: من الوجهة التاريخية لأن معاصريه وكبار الصحابة قد شاهدوها ورووها ورواها عنهم كبار المؤرخين ولو أبطلنا مشاهدتهم وروايتهم لم يبق للتاريخ قيمة، ثانياً: من الوجهة الدينية لأن الدين يقر معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، فمن ذلك معجزات عيسى عليه السلام فإنه تكلم في المهد صبياً وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الميت.j


    ومع ذلك لم يقل أحد من المسلمين إن هذه أمور مضحكة، وكذا معجزات موسى عليه السلام وهي مذكورة في التوراة والقرآن.
    وفي العالم أناس ليسوا بأنبياء ولا أولياء تراهم في كل زمان ممتازين على أبناء جيلهم يأتون أعمالاً يستحيل على غيرهم الإتيان بمثلها، ولقد شاهدنا في مصر فتى أميّاً من أبناء أحد المزارعين ذاع صيته ونشرت الجرائد صورته، هذا الطفل يضرب أرقاماً طوالاً وينطق بالجواب الصحيح بسهولة وبسرعة مدهشة من غير أن يخط بقلم، وقد رأيته شخصياً أكثر من مرة وحار فيه علماء الرياضة وامتحنه كبار رجال الحكومة والصحافة، فهذا إنسان عاديّ له موهبة خاصة أذهلت عقول الخاصة، فكيف يمكن إنكار هذه الموهبة الخارقة والفتى لا يزال حيّاً بين ظهرانينا يحل المسائل في الطرق ويجيب كل سائل.

    فإذا جاء رجل مثل مستر موير بعد ذلك بجيل أو أكثر وزعم أن هذه خرافة مضحكة ابتدعها المصريون، لم يغيِّر ذلك شيئاً من الحقيقة.
    وقد تواترت الروايات أن زكريا عليه السلام كان يجد عند مريم فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم كان فعلاً خارقاً للعادة، ولم يقل أحد إن ذلك مضحك.
    ويُروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض، قال تعالى: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} (آل عمران: 49)، فهل قال أحد إن هذا أمر مضحك؟ فلماذا يستبعدون الإرهاصات والمعجزات على رسول الله؟ وروى القرآن أن عيسى تكلم في المهد، وقد سأله الحواريون أن ينزل عليهم مائدة من السماء فسأل عيسى الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون عيداً لهم وآية من الله فاستجاب الله دعاءه، فهل قال المسلمون إن هذا مضحك؟.




    من هو بحيرا؟
    كان بَحيرا الذي مر ذكره راهباً مسيحياً في الشام في ذلك الوقت وقد ذكر في «الآداب البيزنطية» أنه راهب نسطوري على مذهب أريوس ونسطور، وكان ينكر لاهوت المسيح ويقول إن تسميته بإله غير جائزة بل يجب أن يدعى كلمة وأن تدعى والدته مريم والدة الناسوت الذي هو مظهر الكلمة السامي لا والدة الله. وكان بحيرا قسّاً فلكياً منجماً وقد اتخذ صومعته بقرب الطريق الموصل إلى الشام وأقام هناك مدة تمر عليه العربان والقوافل فكان يأمرهم بعبادة الله الواحد وينهاهم عن عبادة الأصنام، له تلميذ اسمه مذهب، وكان من جملة المتتلمذين له سلمان الفارسي قبل إسلامه، ولإسلامه قصة غريبة ستذكر في موضعها.
    قال مذهب: إن بحيرا توفي قتيلاً بدسيسة بعض يهود أشرار، ومعنى بَحيرا في السريانية عالم متبحر، وجاء في «دائرة المعارف الإسلامية» أن اسم بحيرا مشتق من الكلمة الآرامية بحيرا ومعناها المنتخب فهو لقب له، قيل: إن اسم بحيرا المسيحي هو سرجيوس أو جرجيوس.

    رعية رسول الله الغنم بمكة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من نبي إلا قد رعى الغنم»، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا»، وقال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط»، وعن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نجني الكَباث فقال: «عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذ كنت راعي الغنم»، قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: «نعم، وما من نبي إلا وقد رعاها»، قيل: من حكم ذلك أن راعي الغنم التي هي من أضعف البهائم تسكن في قلبه الرأفة واللطف فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذب أولاً.

    حرب الفجار (580 ــ 590)



    أيام الفجار أربعة، فالفجار الأول كان بين كنانة وهوازن، والثاني بين قريش وكنانة، والثالث بين كنانة وبني نضر بن معاوية ولم يكن فيه كبير قتال، والفجار الأخير بين قريش وكنانة كلها وهوازن وكان بين هذا الأخير ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة ، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم الفجار الأخير وهو ابن خمس عشرة سنة وكان سببها أن النعمان بن المنذر أمير الحيرة بعث بلطيمة له إلى سوق عكاظ للتجارة وأجارها له عروة الرجال من بني هوازن فنزلوا على ماء يقال له أوراة، فوثب البرَّاض، خليع من بني كنانة على عروة فقتله وهرب إلى خيبر فاستخفى بها ولقي بشر بن أبي خازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر وأمره أن يعلم ذلك عبدالله بن جدعان وهشام بن المغيرة وحرب بن أمية ونوفل بن معاوية الديلي وبلعاء بن قيس، فوافى عكاظ فأخبرهم فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم وبلغ قيساً الخبر آخر ذلك اليوم فقال أبو براء رئيس هوازن: ما كنا من قريش إلا في خدعة فخرجوا في آثارهم فأدركوا وقد دخلوا الحرم فناداهم رجل من بني عامر يقال له الأردم بن شعيب بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل وأنا لا نأتلي في جمع.


    ولم تقم تلك السنة سوق عُكَاظ فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش سنة يتأهبون لهذه الحرب وتأهبت قيس عيلان ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش: عبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة وحرب بن أمية وأبو أحيحة سعيد بن العاص وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل ومعمر بن حبيب الجمحي وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وخرجوا متساندين ويقال بل أمرُهم إلى عبد الله بن جدعان وكان في قيس أبو براء عامر بن مالك بن جعفر وسبيع وربيعة بن معاوية النضري ودُريد بن الصِّمّة ومسعود بن معتب وأبو عروة بن مسعود وعوف بن أبي حارثة المري وعباس بن رعل السلمي، وهؤلاء هم الرؤساء والقادة، ويُقال: بل كان أمرهم جميعاً إلى أبي براء وكانت الراية بيده وهو الذي سوَّى صفوفهم فالتقوا فكانت الدبرة (الهزيمة) أول النهار لقيس وكنانة على هوازن ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلاً ذريعاً حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ ــ وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة ــ إلى الصلح فاصطلحوا على أن يدوا القتلى وودت قريش لقيس ما قتلت فضلاً عن قتلاهم ووضعت الحرب أوزارها فانصرفت قريش وقيس.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الفجار فقال: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن أفعل»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كنت أنبل على أعمامي» يعني أناولهم النبل.

    حِلف الفضول



    كان حِلف الفضول منصرف قريش من الفجار وكان أشرف حلف، وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يؤدي إليه حقه ما بلّ بحر صوفة، وفي التآسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم وإني أعذر به هاشم وزهرة وتيم، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بلّ بحر صوفة ولو دعيت به لأجبت وهو حلف الفضول».

    هل سافر النبي إلى اليمن؟
    قال الأستاذ «فيل» الألماني
    Weil: إن رسول الله سافر في السادسة عشرة من عمره إلى اليمن مع عمه الزبير في رحلة تجارية، ورد عليه الدكتور إشبرنجر Dr. Sprenger إن هذا الخبر ليس له أساس صحيح وإنه لم يجده في الكتب الموثوق بها، والحقيقة كما قال الدكتور إشبرنجر، نعم قد ذكر الطبري رواية جاء فيها: أن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله ورجلاً آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة الخ، غير أنه جاء في الطبري بعد ذلك أن الواقدي قال:«فكل هذا خطأ والمشهور رواية ابن إسحاق وهي رحلته إلى الشام» كذلك لم يسافر الرسول إلى الحبشة بطريق البحر ولا إلى فارس ولا إلى مصر فكل هذا من الأوهام الكاذبة.

    ابتعاده صلى الله عليه وسلم عن معايب الجاهلية



    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره كشف العورة قبل البعثة، وسمع وهو صغير من دار من دور مكة غناء وصوت دفوف في حفلة زواج فنام فما أيقظه إلا حر الشمس، وكان يأبى أن يحضر مع قومه العيد الذي كانوا يقيمونه لصنم يقال له (بوانة) حتى غضب عليه عمه أبو طالب وعماته، ولم يذق شيئاً ذبح على الأصنام حتى أكرمه الله برسالته، ولم يدخل في يهودية أو نصرانية، واعتزل الأوثان ونهى عن الوأد وكان يحييها وإذا أراد أحد ذلك أخذ الموءودة من أبيها وتكفّلها، ولم يلعب الميسر ولم يشرب خمراً قط مع أنها كانت منتشرة إلا أن تحريم الخمر ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم بل حرّمها على نفسه كثير في الجاهلية لما في شربها من آفات وسيئات، وحرّمها من أجداده صلى الله عليه وسلم قُصيّ وعبدالمطلب، لكن الإسلام حرّمها تحريماً عامّاً وسنّ عقوبة لشاربها.
    وعادة وأد البنات من أفظع الجرائم التي تقشعر منها الأبدان فحرّمها واستأصل شأفتها الإسلام وطهّر العرب منها، قال تعالى في سورة التكوير: {وَإِذَا الْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8، 9).

    الرحلة الثانية إلى الشام 595م



    لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة ، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وهذه عير قومك وقد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها فلو جئتها فعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك. فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم بُصرى من الشام وهي مدينة على طريق دمشق فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم لا تفارقه، قال: هو نبيّ وهو آخر الأنبياء، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس فوعى ذلك كله ميسرة وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا أخبرها ميسرة بما قال الراهب نسطور، فلما رأت خديجة الربح الكثير أضعفت له ضعف ما سمت له.
    قال مستر موير عند ذكر هذه الرحلة: «إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن في وقت من الأوقات طامعاً في الغنى، إنما كان سعيه لغيره ولو ترك الأمر لنفسه لآثر أن يعيش في هدوء وسلام قانعاً بحالته ولما فكر في رحلة كهذه، ولكن لما عرض عليه عمه السفر شعرت نفسه الكريمة بضرورة تفريج كربة عمه فأجاب طلبه مسروراً.

    تزويج رسول الله خديجة رضي الله عنها



    كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ امرأة حازمة جلدة شريفة غنية جميلة من أواسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة قريش، وقد عرض كثيرون عليها الزواج فلم تقبل، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رحلته إلى الشام، أرسلت إليه من يرغبه في الزواج وقيل: إنها أرسلت أختها، وقيل: أرسلت نفيسة مولاة لها، فقال: «ما بيدي ما أتزوج به»، فقالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: «فمن هي؟»، قالت له: خديجة، قال: «فأنا أفعل»، فذهبت فأخبرت خديجة فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فزوجه أحدهم، فقال عمرو بن أسد: «هذا البضع لا يقرع أنفه»، وتزوجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة ، وذلك بعد عودته من الشام بشهرين.
    وقد حضر رؤساء مضر وحضر أبو بكر رضي الله عنه ذلك العقد، فقال أبو طالب:
    «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد (معدنه) وعنصر مضر (أصله) وجعلنا حضنة بيته وسوَّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم»، فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة فقال:



    «الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم؛ وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على كذا» ثم سكت.
    فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها عمرو بن أسد:
    «اشهدوا عليّ يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد» فقبل النبي صلى الله عليه وسلم النكاح وشهد على ذلك صناديد قريش.
    وأولم عليها صلى الله عليه وسلم فنحر جزوراً، وقيل: جزورين وأطعم الناس وأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وفرح أبو طالب فرحاً شديداً وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الغموم، وهي أول وليمة أولمها رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال الواقدي: ويقولون أيضاً: إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه إلى نفسها (تعني التزويج) وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قرشي حريصاً على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمراً حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه، فلما صحا قال: ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: ما فعلت، أنّى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل، قال الواقدي: وهذا غلط، والثبت عندنا محفوظ من حديث محمد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم، ومن حديث ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس «أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أباها (خويلد بن أسد) مات قبل الفجار».



    تزوج خديجة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهي بكر ــ عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم هلك عنها وتزوجها بعده أبو هالة النباش بن زرارة.
    وولدت خديجة لعتيق، هنداً بنت عتيق وولدت لأبي هالة هنداً بنت أبي هالة، وهالة بن أبي هالة، فهند بنت عتيق وهند وهالة ابنا أبي هالة وكلهم أخوة أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة.
    وبعد زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخديجة لم يسافر في رحلة للتجارة بل أقام بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة.
    وولدت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ولده إلاّ إبراهيم فإنه من مارية القبطية، فأكبر أولاده القاسم وبه كان يُكنى: «أبا القاسم» ثم الطيّب، ثم الطاهر، ثم رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، قال الواقدي: ولم أر أصحابنا يثبتون الطيّب ويقولون هو الطاهر.

    تجديد بناء الكعبة سنة 605م



    الكعبة هي بيت الله الحرام، وهو بناء مربع الشكل في وسط المسجد الحرام، بابه مرتفع على الأرض نحو قامة، وقد بنى الكعبة إبراهيم عليه السلام لعبادة الله، وهو رسول من أولي العزم أرسله الله إلى الكلدانيين في جنوب بابل وكانوا يعبدون النجوم والأوثان، ثم ترك إبراهيم قومه حين عصوه وهاجر إلى مدين وهناك أمره الله تعالى بالهجرة بولده إسماعيل، وأمه هاجر إلى بلاد العرب فقصدوا مكة ثم أمره الله ببناء الكعبة. قال السيد الإمام التقي الفاسي: بناء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام الكعبة ثابت بالكتاب والسنّة، وروى الأزرقي في «تاريخه» عن ابن إسحاق أن الخليل عليه الصلاة والسلام لمّا بنى البيت جعل طوله في السماء تسع أذرع وجعل طوله في الأرض من قبل وجه البيت الشريف من الحجر الأسود إلى الركن الأسود إلى الركن الشامي اثنتين وثلاثين ذراعاً وجعل عرضه في الأرض من قبل الميزاب من الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي يسمى الآن الركن العراقي اثنتين وعشرين ذراعاً وجعل طوله في الأرض من جانب ظهر البيت الشريف من الركن الغربي المذكور اليماني إحدى وثلاثين ذراعاً وجعل عرضه في الأرض من الركن اليماني إلى الحجر الأسود عشرين ذراعاً، وجعل الباب لاصقاً بالأرض غير مرتفع عنها ولا مبوّب حتى جعل لها تبع الحميري باباً.


    ومقام إبراهيم عليه السلام بإزاء وسط البيت الذي فيه الباب، قال ياقوت في «معجم البلدان»: إن خصائص الكعبة كثيرة وفضائلها لا تحصى ولا يسع كتابنا هذا إحصاء الفضائل وليست أمة في الأرض إلا وهي تعظم ذلك البيت وتعترف بقدمه وفضله وأنه من بناء إبراهيم حتى اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وقد بقيت الكعبة على هيئتها من عمارة إبراهيم عليه السلام إلى أن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة من عمره فخافت قريش أن تهدم لتصدع جدرانها بسيل دخلها بعد حريق أصابها وكانت رضماً فوق القامة وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدة فتحطمت فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها وأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار يدعى باقوم مولى سعيد بن العاص وصانع المنبر الشريف فأمروه أن يلي بناء الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة معهم فلما بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضع الحجر موضعه وأرادت كل قبيلة رفعه وتواعدوا للقتال ثم تشاوروا بينهم فجعلوا أول من يدخل من باب بني شيبة يقضي بينهم، فكان أول من دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين رضينا به، وأخبروه الخبر فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه وبسطه على الأرض ثم أخذ الحجر فوضعه فيه ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه»، ففعلوا فلما بلغوا موضعه، وضعه هو بيده الشريفة فرضوا بذلك وانتهوا عن الشرور، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين، لوقاره وهديه وصدق لهجته وبعده عن الأدناس.

    وفي كتاب «تهذيب الأسماء»: أن أول امرأة عربية كست الكعبة الحرير، نتيلة أم العباس وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسوها فوجدته ففعلت.

    تسميته بالأمين صلى الله عليه وسلم



    جاء في «دائرة المعارف البريطانية» في ترجمة حياته صلى الله عليه وسلم أن تسميته بالأمين مأخوذة من اسم أمّه (آمنة) وإن كان العرب لا يجعلون علاقة بينهما في هذه التسمية، هذا ما زعمه كاتب الترجمة في دائرة المعارف البريطانية فهو يريد أن يقول: إن العرب لم يسموه أميناً لأمانته بل لأن اسم والدته آمنة فلا فخر ولا فضل، والحقيقة التاريخية هي أنه صلى الله عليه وسلم سمي أميناً لأمانته ولذا استخدمته خديجة في تجارتها فربحت ربحاً طائلاً ثم تزوجته لثقتها به، وكانوا يستأمنونه على ودائعهم وقد جعله قومه حكماً بينهم في بناء الكعبة عن طيب نفس، قال المسيو سيديو Sedillot في كتابه «تاريخ العرب»: «ولما بلغ محمد من العمر خمساً وعشرين سنة استحق بحسن سيرته واستقامة سلوكه مع الناس أن يلقب (بالأمين). وقال موير Muir: إنه لقب بالأمين بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه. وكتب لفظة أمين بالإنجليزية هكذا: Faithful.
    وكان أهل مكة يستأمنونه صلى الله عليه وسلم ويودعون عنده ودائعهم إلى أن هاجر إلى المدينة وترك علياً مكانه فبقي حتى رد الودائع إلى أربابها ثم هاجر.

    خلقه صلى الله عليه وسلم في طفولته وشبابه
    الأخبار عن حاله صلى الله عليه وسلم في طفولته قليلة غير مستفيضة لعدم العناية بتدوين السيرة وقتئذ، ونذكر هنا أنه كان صلى الله عليه وسلم في صغره يلعب ذات مرة مع غلمان قريش فكانوا يحملون الحجارة في أُزُرهم فتبدو عوراتهم، فخالفهم صلى الله عليه وسلم وصار يحملها على رقبته لئلا ترى عورته.



    وعن عليّ ــ رضي الله عنه ــ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما هممت بقبيح مما همَّ به أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بالنبوة إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله عز وجل من فعلهما: قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فلما جئت أدنى دار من مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، فلهوت بذلك الصوت حتى غلبني النوم فنمت، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك».
    إن الله إذا أراد أن يحفظ شخصاً، سد عليه أبواب الملاهي والفساد وأوجد العقبات في طريقها وصده عن سبيلها بكيفية لا تخطر على بال، لذلك سلط جل شأنه عليه صلى الله عليه وسلم النعاس حتى لا يشاهد شيئاً مما كان يجري في أفراح الجاهلية من لهو وفرح وخمر وما شاكل ذلك، ليبقى نقياً طاهراً من كل شائنة بل من كل ريبة.
    u



    وعن أم أيمن قالت: كانوا في الجاهلية يجعلون لهم عيداً عند بوانة، وهو صنم من أصنام مكة تعبده قريش وتعظمه وتنسك أي تذبح له وتحلف عنده، وتعكف عليه يوماً إلى الليل في كل سنة ، فكان أبو طالب يحضر مع قومه ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك. قالت: حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن عليه أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا وما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً فلم يزالوا به حتى ذهب معهم، ثم رجع فزعاً مرعوباً، فقلن: ما دهاك؟ فقال: إني أخشى أن يكون بي لمم (أي لمة وهي المس من الشيطان)، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ فقال: «إني كلما دنوت من صنم تمثَّل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: «وراءك يا محمد لا تمسه»، قالت: فما عاد إلى عيدهم حتى تنبأ صلى الله عليه وسلم
    ولم يذق صلى الله عليه وسلم شيئاً ذبح على الأصنام، وقيل له عليه الصلاة والسلام: هل عبدت وثناً قط؟ قال: «لا»، قالوا: هل شربت خمراً؟ قال: «ما زلت أعرف أن الذي هُم عليه كفر»، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان (أي كيفية الدعوة إليهما)، وعنه صلى الله عليه وسلم «لما نشأتُ بغضت إليّ الأصنام والشعر».

    وكان عليه الصلاة والسلام يرعى الغنم في صغره لزيادة الرحمة في قلبه فكان يرعاها لأهل مكة كما تقدم.
    وحضر النبيُّ صلى الله عليه وسلم حرب الفجار، قيل: وكان له من العمر 14 سنة وكان يناول عمومته السهام.
    وحضر صلى الله عليه وسلم حلف الفضول.



    ولما سافر إلى الشام في تجارة لخديجة ــ رضي الله عنها ــ ظهرت أمانته ونجح في تجارته وربح ربحاً طائلاً، قال ميسرة غلام خديجة: يا محمد اتجرنا لخديجة (كذا سفرة) ما رأينا ربحاً قط أكثر من هذا الربح. وقد أحبه ميسرة حباً عظيماً لما رآه من أمانته وحسن أخلاقه.
    ومما يدل على رجاحة وحضور بديهته لحل المشكلات، الطريقة التي ابتكرها لإشراك المتنازعين في وضع الحجر الأسود.
    وقد وثقت به خديجة لما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فاستأجرته ليتاجر بها وضاعفت له الأجر، كانت ــ رضي الله عنها ــ امرأة عاقلة شريفة فلما عاد صلى الله عليه وسلم وأخبرها غلامها عن حميد صفاته دعته عليه الصلاة والسلام وقالت له: إني رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك في قومك وأمانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها فلما تزوجها كان مثال الزوج الصالح وكان موضع احترامها وتقديرها، يدل على ذلك قولها له بعد نزول الوحي وهي تهدىء روعه: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتَقري الضيف وتعين على نوائب الحق» وقد كانت أول من آمن به، وقال رسول الله في حقها: «أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم» (امرأة فرعون). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليها كثيراً أمام عائشة ــ رضي الله عنها ــ حتى أدركتها الغيرة، فالوفاق بينهما في المعيشة الزوجية كان بالغاً حده ولا شك أن هذا من حسن الخلق وصفاء السيرة والسريرة. ولما أدركت عائشة ــ رضي الله عنها ــ الغيرة من حسن ثنائه صلى الله عليه وسلم على خديجة قالت: هل كانت إلا عجوزاً فقد أبدلك الله خيراً منها، فغضب رسول الله حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها. آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ



    حرمني أولاد النساء»، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبداً. فكان عليه السلام متحلياً في صغره وشبابه بخير الخلال وأجل الصفات بعيداً عن الشبهات.

    رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثباتها من التوراة والإنجيل
    أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ناسخاً بشريعته الشرائع الماضية، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ كَآفَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (سبأ: 28).
    وقال: {تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيراً} (الفرقان: 1).
    وقد وردت البشارة به في التوراة والإنجيل والزبور.
    فجاء في قول يوحنا حكاية عن المسيح عليه السلام (ص14 ف15) ما يأتي:
    (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم فارقليطاً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم وفيكم).
    وفي ص16 ف5: (وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم الفارقليط
    Paraclete لكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبكِّت العالم على خطيئته وعلى برّ وعلى دينونة، أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي وأما على برّ فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين، إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني لأنه لا يأخذ مما لي ويخبركم).



    إن هذه الترجمة رديئة فالأسلوب ضعيف والألفاظ مكررة تكراراً لا مسوغ له والجمل مفككة خالية من الروح ولذا لا يتأثر منها القارىء وترجمة الفارقليط أو البارقليط بالعربية (أحمد) كما قال تعالى في كتابه العزيز: {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ} (الصف: 6)، وقد تصرَّف المترجمون في هذه اللفظة فكانوا تارة ينقلونها عن اللغات الثلاث الأصلية وهي: العبرانية والكلدانية واليونانية بالمغزى وأخرى بالمخلص أو يكتبونها البارقليط كما هي.


    ومن يقرأ هذه النصوص وينعم النظر في معناها ومرماها يجد أن عيسى عليه السلام بشر برسالة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فسماه فارقليطاً آخر يعني رسولاً غيره تبقى شريعته إلى قيام الساعة ولا يأتي بعده نبيّ ولا رسول، وقال: إنه إن لم يكن ينطلق لا يأتي الفارقليط وقد بكَّت النبي صلى الله عليه وسلم النصارى واليهود الذين أنكروا نبوة المسيح وأساءوا إليه وحرفوا دينه وقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام الناس كافة إلى الحق وكان لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به أي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، وثبت أنه أخبر بأمور آتية وقد وقع ما أخبر به ومجّد عيسى عليه السلام، وتدل آيات القرآن الكريم على ما ورد في الإنجيل فإن النبي صلى الله عليه وسلم (الفارقليط الذي أتى بعد عيسى عليه السلام) لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به وأنه يرشد إلى الحق. قال تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (الأحقاف: 9)، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلاَ الإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52)، {وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} (محمد: 2)، {تَلْكَ ءايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءايَتِهِ يُؤْمِنُونَ} (الجاثية: 6).

    وإذا كان الفارقليط لا يشير إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإلى من يشير إذن؟ وأين الذي جاء بعد عيسى عليه السلام؟ ومن هو الذي بكّت العالم على خطيئته ومن هو روح الحق الذي لا يتكلم من نفسه الخ، أليس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
    وجاء في وصية موسى الكليم عليه السلام كما في ص23 ف2: من التثنية ولفظه:
    (قال: جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سِنة من نار، أحب الشعوب جميع الأطهار بيده والذين يقتربون من رجليه يقبلون من تعليمه).
    هذه الوصية هي آخر وصايا موسى عليه السلام، وقد أخبر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ووضح لهم أن الله جاء من سيناء وأوصاكم بواسطتي باتباع التوراة ويستشرق عليكم بواسطة عيسى من ساعير وهي جبال فلسطين فلم يبق إلا أن يستعلن من جبال فاران (والمراد بها مكة وهي البلدة التي سكنها إسماعيل) وألوف الأطهار هم الصحابة رضوان الله عليهم، في يمينه سِنة من نار وهي الشريعة الإسلامية لأنها أحرقت المشركين.



  4. #4
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    افتراضي رد: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

    ولما كان من المهم أن نعرف مكان فاران التي وردت في وصية موسى بحثت عنها في أشهر المراجع الموثوق بها فقد جاء في «معجم ياقوت» جزء 6 صفحة 323 طبع مصر سنة 1324 (فاران هي من أسماء مكة ورد ذكرها في التوراة قيل: هي اسم لجبال مكة). وجاء في كتاب «صفة جزيرة العرب» للهمداني طبع ليدن 1883 صفحة 170: وأما معدن فران فإنه نسب إلى فَرانَ بن بَليّ بن عمرو كما قيل في جبال الحرم جبال فاران وذكرت بذلك في التوراة وهي نسبة إلى فاران بن عمليق. وجاء في كتاب «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» تأليف قطب الدين النهروالي المكي طبع ليبسيك سنة 1857 ص18 عند ذكر أسماء مكة ما يأتي:


    (ومن أسمائها كوثى لأن كوثى اسم لمحل من قيقعان وفاران والمقدسة وقرية النمل لكثرة نملها والحاطمة لحطمها للجبابرة والوادي والحرم الخ) فلم يبق شك في أن فاران جبال بمكة أو هي مكة نفسها سميت باسم تلك الجبال.
    وجاء في سفر أشعيا الإصحاح الحادي والأربعين: (أنصتي إليّ أيتها الجزائر ولتجدد القبائل قوة ليقتربوا ثمّ يتكلموا، لنتقدم معاً إلى المحاكمة من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه دفع أمامه أمماً وعلى ملوك سلطه، جعلهم كالتراب بسيفه وكالقش المنذري بقوسه، طردهم، مر سالماً في طريق لم يسلكه برجليه من فعل وصنع داعياً الأجيال من البدء أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو) والمراد بالقبائل العرب وصاحب السيف والقوس هو محمد صلى الله عليه وسلم فإن عيسى لم يحارب أصلاً.
    وجاء في الفصل 18 من الكتاب الخامس من سفر التثنية أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: (قل لبني إسرائيل إني أقيم لهم آخر الزمان نبياً مثلك من بني إخوتهم) وكل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل وآخرهم عيسى عليه السلام فلم يبق أن يكون من بني إخوتهم إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من ولد إسماعيل وإسماعيل أخو إسحاق وإسحاق جد بني إسرائيل فهذه هي الأخوة التي ذكرت في التوراة ولو كانت هذه البشارة بنبي من أنبياء بني إسرائيل لم يكن لذكر إخوتهم معنى.
    وجاء في كتاب الرؤيا المنسوب إلى يوحنا الإنجيلي في ص 19 ف 11 ما نصهسيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً صادقاً وبالعدل يحكم ويحارب وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو) وهناك قال: إنه يحارب ولا شك أنه محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان يدعى قبل الرسالة بالأمين الصادق كما أسلفنا.



    وجاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي ص 19 ف 15: (ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء) والمراد من قوله يخرج من فمه سيف ماض الخ هو القرآن الكريم، وقد داس النبي صلى الله عليه وسلم معصرة خمر أعني أنه حرّم الخمر تحريماً قطعياً، أما عيسى فقد روى عنه المسيحيون أنه قلب الماء خمراً في عرس قانا، ورُوي عنه أنه قال عن الخمر إنها دمه.
    هذه النصوص المذكورة في التوراة والإنجيل ناطقة برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، لهذا لما كان بحيرا الراهب متبحراً في علم النصرانية فقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره برسالته مما اطلع عليه في الكتب المقدسة ففيها أوصافه عليه الصلاة والسلام وشيء من إرهاصاته ومعجزاته وكانت حليمة السعدية تعرض النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود والكهان وتحدثهم بشأنه فيعرفونه من أوصافه وأحواله وقد أخبر برسالته عليه الصلاة والسلام ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة وكان شيخاً نصرانيّاً عندما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى من الوحي إذ قال له: «هذا هو الناموس الذي نزل الله على موسى» إلى آخر ما قال ممّا سيأتي ذكره في موضعه، هذا وقد أنذر اليهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وإليك ما جاء في سيرة ابن هشام:

    إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم



    قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبيّ يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به وفيهم نزلت هذه الآيات من البقرة: {وَلَمَّا جَآءهُمْ كِتَبٌ مّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ} (البقرة: 89)، قال ابن هشام: يستفتحون يستنصرون: ويستفتحون أيضاً يتحاكمون، وفي كتاب الله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَتِحِينَ} (الأعراف: 89).


    قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن محمود بن لبيد بن عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان سلمة من أصحاب بدر، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة: وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنّاً عليّ بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان أترى هذا كائناً أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يُحلف به، ويودّ أنَّ له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه بأن ينجو من تلك النار غداً، فقالوا له: ويحك يا فلان فما آية ذلك؟ قال: نبيّ مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا أحدثهم سنّاً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وهو حيٌّ بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً، قال: فقلنا له: ويحك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: قال لي: هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد نفر من هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام، قال: قلت: لا والله، قال: فإن رجلاً من يهود من أهل الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له:


    كم؟ فيقول: صاعاً من تمر أو مدَّين من شعير، قال: فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا فيستسقي الله لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم، قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أَتوكف خروج نبيّ قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تُسبقن إليه، يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية ــ وكانوا شباباً أحداثاً ــ: يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله إنه لهو بصفته، فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.

    قال تعالى يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته: {يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} (آل عمران: 70)، أي تشهدون أن نعت محمد في كتابكم ثم تكفرون به ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل النبيّ والأميّ.

    سلمان الفارسي وقصة إسلامه



    سلمان الفارسي أبو عبد الله ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصله من جيّ وهي من قرى مدينة أصفهان، وكان اسمه قبل الإسلام مابه بن مورسلان بن بهبوزان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك وكان ببلاد فارس مجوسياً سادن النار، وكان أبوه مجوسياً فاتفق أنه هرب منه يوماً ولحق بالرهبان وصحبهم ثم قدم الحجاز عند ظهور النبي مع العرب فباعوه إلى يهودي من قريظة فأتى به المدينة فلما دخلها النبي أسلم وشهد معه أكثر المشاهد، وأول مشاهده وقعة الخندق وكان من فضلاء الصحابة وزهادهم وعلمائهم وذوي القربى من الرسول وهو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق حين جاءت الأحزاب، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلمان منا أهل البيت»، وكان يعمل الخوص بيده ويأكل من ثمنه وآخى الرسول بينه وبين أبي الدرداء وروى عنه جماعة من العلماء، توفي سنة 35 للهجرة وقيل: 34 ودفن في المدافن شرقي بغداد وله مقام إزاء ديوان كسرى يزار حتى الآن ويعرف بمقام سلمان باك وهي لفظة فارسية معناها الطاهر، قيل: عاش 150 سنة ، وقيل: أكثر من ذلك وهو من معمري العرب.
    وهذه قصة إسلامه عن ابن عباس رضي الله عنه.



    عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حدثني سلمان الفارسي وأنا أسمع من فيه قال: كنت رجلاً من أهل فارس من أصبهان من جيّ ابن رجل من دهاقينها وكنت أحب خلق الله إليه فأجلسني في البيت كالجواري فاجتهدت في الفارسية وكان أبي صاحب ضيعة وكان له بناء يعالجه فقال لي يوماً: يا بنيَّ قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة ولا تحتبس فتشغلني عن كل ضيعة بهمّي بك، فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون فملت إليهم وأعجبني أمرهم وقلت: هذا والله خير من ديننا، فأقمت عندهم حتى غابت الشمس لا أنا أتيت الضيعة ولا رجعت إليه فاستبطأني وبعث رسلاً في طلبي وقد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى والدي، فقال: يا بنيَّ قد بعثت إليك رسلاً، فقلت: مررت بقوم يصلون بكنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم وعلمت أن دينهم خير من ديننا، فقال: يا بنيّ دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: كلا والله، فخافني وقيدني فبعثت إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم وسألتهم إعلامي من يريد الشام ففعلوا فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم حتى أتيت الشام فسألتهم عن عالمهم فقالوا: الأسقف، فأتيته فأخبرته وقلت: أكون معك أخدمك وأصلي معك، قال: أقم، فمكثت مع رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة فإذا أعطوه شيئاً أمسكه لنفسه حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً فتوفي فأخبرتهم بخبره فزجروني فدللتهم على ماله فصلبوه ولم يغيبوه ورجموه وأجلسوا مكانه رجلاً فاضلاً في دينه زهداً ورغبة في الآخرة وصلاحاً فألقى الله حبه في قلبي حتى حضرته الوفاة فقلت: أوصني، فذكر رجلاً بالموصل وكنّا على أمر واحد حتى هلك فأتيت الموصل فلقيت الرجل فأخبرته بخبري وأن فلاناً أمرني بإتيانك فقال: أقم فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة، فقلت له: أوصني، فقال: ما أعرف أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً بعمورية، فأتيته بعمورية فأخبرته بخبري فأمرني بالمقام وثاب لي


    شيئاً واتخذت غنيمة وبقرات فحضرته الوفاة فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحداً اليوم على مثل ما كنا عليه ولكن قد أظلك نبيٌّ يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، مهاجره بأرض ذات نخل وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت فتخلص إليه.g

    فتوفي فمر بي ركب من العرب من بني كلاب فقلت: أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه وتحملوني إلى بلادكم، فحملوني إلى وادي القرى فباعوني من رجل من اليهود، فرأيت النخل فعلمت أنه البلد الذي وصف لي فأقمت عند الذي اشتراني وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه وقدم بي المدينة فعرفتها بصفتها فأقمت معه أعمل في نخله وبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وغفلت عن ذلك حتى قدم المدينة فنزل في بني عمرو بن عوف، فإني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عمّ لصاحبي، فقال: أي فلان قاتل الله بني قيلة مررت بهم آنفاً وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة يزعم أنه نبيٌّ، فوالله ما هو إلا أن سمعتها، فأخذني القرّ فرجفت بي النخلة حتى كدت أسقط ونزلت سريعاً فأقبلت على عملي حتى أمسيت فجمعت شيئاً فأتيته به وهو بقباء عند أصحابه، فقلت: اجتمع عندي شيء أردت أن أتصدق به فبلغني أنك رجل صالح ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة فرأيتهم أحق به فوضعته بين يديه فكف يده وقال لأصحابه: «كلوا» فأكلوا، فقلت: هذه واحدة، ورجعت وتحوَّل إلى المدينة فجمعت شيئاً فأتيته به فقلت: أحببت كرامتك فأهديت لك هدية وليست بصدقة فمد يده فأكل وأكل أصحابه فقلت: هاتان اثنتان، ورجعت فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد وحوله أصحابه، فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره فعلم ما أردت فألقى رداءه فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت فأجلسني بين يديه فحدثته بشأني كله كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجبه ذلك وأحب أن يسمعه أصحابه ففاتني معه بدر وأحد بالرِّق فقال لي: «كاتب يا



    سلمان على نفسك» فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته على أن أغرس له ثلاثمائة ودية وعلى أربعين أوقية من ذهب فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أعينوا أخاكم بالنخل» فأعانوني بالخمس والعشر حتى اجتمع لي فقال لي: «انقر لها ولا تضع منها شيئاً حتى أضعه بيدي» ففعلت فأعانني أصحابي حتى فرغت فأتيته فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوِّي عليها تراباً فأنصرف، والذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة وبقي الذهب فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن، فقال: «ادع سلمان المسكين الفارسي المكاتب»، فقال: «أدّ هذه»، فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما عليّ؟
    هذه قصة سلمان الفارسي وهي كما يتضح للقارىء المنصف معقولة وليس فيها شيء من المبالغة، ويلاحظ أن سلمان كان من صغره ميالاً إلى التدين والتقشف فصاحب كبار أهل الدين وتعلم منهم وهذه القصة تدل على صدق رسالة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن سلمان ما عرف النبيَّ إلا بالعلامات التي أخبره بها صاحبه بعمورية ولم يسلم إلا بعد أن تحقق صحّة هذه العلامات فيه صلى الله عليه وسلم ومن المحقق من ترجمة حياة سلمان أن أباه كان مجوسياً من بلاد الفرس وأنه هرب منه ولحق بالرهبان وصاحبهم واحداً بعد واحد إلى أن لقي النبي صلى الله عليه وسلم

    ونلاحظ أن سلمان لم يذكر أسماء الرهبان أو الأساقفة الذين كان يلازمهم وإن كان قد ذكر بلادهم.
    وشهد رسول الله لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال: «سلمان منا أهل البيت»، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من فارس» وأشار إلى سلمان الفارسي.



    وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم وذوي القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى كان يغلبنا على رسول الله. وسئل عليٌّ عن سلمان، فقال: علم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت. وهو الذي أشار على رسول الله بحفر الخندق لما جاءت الأحزاب، فأمر رسول الله بحفره فاحتمى المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلاً قوياً، وتوفي سنة 45هـ في آخر خلافة عثمان، وقيل: إنه عاش 350 سنة ، فأما 250 فلا يشكون فيه.

    من تسمَّى في الجاهلية بمحمد
    كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبياً يبعث من العرب اسمه (محمد) فسمَّى من بلغه ذلك من العرب ولده محمداً طمعاً في النبوة. سُمِّيَ محمد بن الخزاعي بن حزابة من بني ذكوان من بني سليم طمعاً في النبوّة فأتى أبرهة باليمن فكان معه على دينه حتى مات فلما وجه قال أخوه قيس بن خزاعي:
    فذلكمُ ذو التاج منا محمد
    ورايته في حومة الحرب تخفق
    وكان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع وكان أسقفاً قيل لأبيه إنه يكون للعرب نبيٌّ اسمه محمد فسماه محمداً، ومحمد الجشعي في بني سواءة، ومحمد الأسيدي ومحمد الفقيمي سموهم طمعاً في النبوة.
    هذا ما وجدته في طبقات ابن سعد فليرجع إليه من شاء، ومن هذا كله يتضح أنهم كانوا ينتظرون ظهور نبي في ذلك الزمان.

    عبادة الأصنام والأوثان



    الصنم ينحت من خشب ويصاغ من فضة ونحاس، والجمع أصنام، وقيل: هو ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن، قال ابن الأثير: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم: الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة.
    الوثنية ببلاد العرب ترجع إلى عهد بعيد جداً، قيل: إن إسماعيل بن إبراهيم لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرة حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضاً فتفسحوا في البلاد لالتماس المعاش.
    وكان الذي حدا بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم وصبابة بمكة فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمُّناً منهم وصبابة بالحرم وحباً له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل.
    ثم أدى بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم وانتجثوا ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث ما بقي فيهم من ذكرها وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه.
    وكان أول من غيَّر دين إسماعيل عليه السلام فنصب الأوثان وسيَّب السائبة ووصل الوصيلة وبَحَر البَحِيرة وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لُحَيّ بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة.
    وكانت أم عمرو بن لحي فهيرة بنت عمرو بن الحارث.



    وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لُحَيّ نازعه في الولاية وقاتل جرهماً ببني إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت بعدهم.
    ثم إنه مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمَّة إن أتيتها برأت فأتاها فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة، وقيل: إنهم أعطوه صنماً يقال له هُبل فقدم به مكة فوضعه عند الكعبة فكان أول صنم وضع بمكة.

    قال ابن هشام: فحدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «رفعت لي النار فرأيت عَمراً (أي عمرو بن لُحَيّ) رجلاً قصيراً أحمر أزرق يجر قُصبه في النار، قلت: من هذا؟ قيل: هذا عمرو بن لُحَيّ أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيَّب السائبة وحمى الحامية وغيَّر دين إبراهيم ودعا العرب إلى عبادة الأوثان».



    وقد جاء في القرآن ذكر الأصنام الخمسة التي كان يعبدها قوم نوح، قال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَاتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّلِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً مّمَّا خَطِيئَتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِولِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّلِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} (نوح: 21 ــ 28).
    ولم يرد ذكر هُبل في القرآن.
    ويُقال: إن هذه الأصنام وجدها عمرو بن لُحَيّ في ساحل جُدة وفرقها فاتخذتها العرب آلهة.
    ومن الأصنام المشهورة القديمة إساف ونائلة عبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعدُ من العرب وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما.
    ومَنَاة كان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل بقُدَيْد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعاً تعظمه وتذبح حوله ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج، وقد ورد ذكر مناة في القرآن، قال تعالى: {وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الاْخْرَى} (النجم: 20).
    وكانت لهذيل وخزاعة، وقد هدمها علي رضي الله عنه عند فتح مكة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
    والفِلس وهو صنم طيء هدمه عليّ رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم



    واللات (تأنيث الله) وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة وكانت قريش كلها تعظمها وهي بالطائف ذكرها الله في القرآن فقال: {أَفَرَءيْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى} (النجم: 19)، ولم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وأحرقها بالنار، والطاغية هي اللات كانوا يقولون لها الربة، وجاء في «قاموس الإسلام»: «أن هيرودوت لم يشر إلى الكعبة لكنه ذكر اللات وقال إنها من أعظم آلهة العرب وهذا دليل قوي على وجود ذلك الصنم المسمى باللات وقد كان من معبودات ذلك الزمن».

    ومن أصنامهم العُزى (تأنيث الأعز) والأعز بمعنى العزيز ويقال: إنها أحدث من اللاة ومناة، كانت بوادي نخلة الشآمية وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح.
    قال ابن حبيب: العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غَطَفَان، وفي التنزيل: {أَفَرَءيْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الاْخْرَى} (النجم: 19، 20).
    ولم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها فاشتد ذلك على قريش، ومرض أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مرضه الذي مات فيه فدخل عليه أبو لهب فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟ فقال: لا ولكني أخاف ألا تعبد (العزى) بعدي فقال له أبو لهب: ما عبدت في حياتك لأجلك ولا تترك عبادتها بعدك لموتك، فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة. وأعجبه شدة نصبه في عبادتها، وتدل القصة على شدة التمسك بعبادة الأصنام، وكان بعضهم يعبد الملائكة وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الاْنثَى} (النجم: 27).



    فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد فهدم العزى، وكانت لقريش أصنام حول الكعبة وفي جوفها وكان أعظمها عندهم هُبل، قيل: إنه كان من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يداً من ذهب وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر؛ وكان يقال له هُبل خزيمة، وعنده ضرب عبد المطلب على ابنه عبد الله بالقداح، ومن الأصنام التي كانت عند الكعبة إساف ونائلة فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أخرجت من المسجد وأحرقت وكان يبلغ عددها 360 صنماً، ومن أصنامهم مناف.
    وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من سفره، كان أول ما يصنع الرجل إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً وكانوا يسمون الحجارة التي ينصبونها حول الحرم «الأنصاب».
    ومن أصنامهم: ذو الخَلَصة وسعد وذو الكفين وذو الشرى والأقيصر وسعير وعميانس والأسحم والأشهل وأوال وباجر والبجة والبعيم وبلج وبوانة وتيم وجريش، وعبدة الأصنام ينكرون بعث الأجساد، وكان من العرب من يعتقد التناسخ وتنقل الأرواح في الأجساد وكانوا يعتقدون وقوع المسخ ونسبوا أكثر الأمراض إلى الجن وعبدها بعضهم. ومن هذا يرى أن آلهة العرب كانت متعددة.

    الأربعة الباحثون عن دين إبراهيم



    قد استنكر بعض العرب عبادة الأصنام وأدرك أنها لا تنفع ولا تضر وذلك في الجاهلية قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حدث أنه بينما كانت قريش مجتمعة يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم يعتكفون عنده ويدوروه به وكان ذلك عيداً لهم كل سنة ، إذ خلص منهم أربعة وهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله بن جحش بن رئاب، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم.
    1 ــ فأما ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب في أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب.
    2 ــ وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة ابنة أبي سفيان مسلمة ثم تنصَّر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانياً، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة.
    3 ــ وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر، ملك الروم فتنصَّر وحسنت منزلته عنده.
    4 ــ وأما زيد بن عمرو بن نفيل، فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان.

    الرد على مستر كانون سل



    قال مستر كانون سل في كتابه «حياة محمد»: (قال زيد وأصحابه: إنهم رغبوا في اتباع دين إبراهيم)، ويظن أن محمداً أخذ منهم هذه الفكرة ثم قال: (بقي زيد حنيفاً وعاب على أهل مكة عبادة الأصنام فأثار ذلك غضبهم فأرغم على ترك مكة والإقامة في جبل حراء وبعد أن أمضى هنالك زمناً يفكر، توفي ودفن بأسفل الجبل وقد كان له تأثير عظيم في محمد الذي كان يجل شأنه ويقدره قدره. ولا ريب أن هؤلاء الرجال وأمثالهم من ذوي العقول الراجحة كانوا كثيراً ما يتشاورون ويتحادثون فيما وصلت إليه حالة العرب الاجتماعية من الانحطاط ويأسفون لانتشار الوثنية وضعف مركزهم السياسي، ولم ينجح عثمان بن الحويرث في تأسيس سلطة مركزية لاعتماده على دولة أجنبية ــ الامبراطورية الرومانية ــ ومع ذلك كانت الحاجة تدعو إلى وجود سلطة مركزية والاعتراف بالكعبة وجعلها قوة دينية للعرب جميعاً، فكيف الوصول إلى ذلك؟ وكيف يمكن إبطال عبادة الأصنام؟) إلى أن قال: (وهنا سنحت الفرصة لظهور نبيّ وقد كان الاستعداد لظهوره قريباً وما لبث أن ظهر نبيٌّ قوي الشخصية ذو فطنة سياسية فائقة برسالة محدودة للأمة العربية اهـ). هذا ما زعمه مستر كانون سل، فنقول:


    نعم إن هؤلاء تحادثوا في أمر انتشار عبادة الأصنام وأخذوا يبحثون عن الدين الصحيح لكن محادثتهم كانت قليلة، وليس لها شأن ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتمع بهم ويحادثهم في شؤون العرب الدينية أو السياسية. وقد كان زيد بن عمرو مضطهداً ولجأ إلى حراء لكن لم تكن له اجتماعات برسول الله حتى يقال إنه تذاكر معه مسائل الدين وترك في نفسه أثراً عميقاً أو أنه أخذ منه الفكرة، لأن المسألة ليست مسألة اقتباس فكرة، فالقرآن وما حواه من فصاحة وبلاغة خارقة وحكم بالغة وأمثال محكمة وذكر أحوال الماضين من أنبياء وأمم وأنباء المستقبل وعلاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بغيره والتشريع العظيم الشأن الذي صار موضوع بحث الأئمة المجتهدين والعلماء الأعلام ــ لا يكون مصدره اجتماع زيد بن عمرو برسول الله مصادفة في حراء أو في الطريق، ثم إننا فوق ذلك لا نعلم من تاريخ رسول الله أنه كان يتذاكر مع رجال أو كانوا يعلمونه من صغره إلى أن صار نبياً بل الثابت أنه كان أميّاً لا يدري ما الكتابة والقراءة ولا الدين ولا أصوله حتى أُوحي إليه ثم إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن محدودة للأمة العربية كما ظن سل وأمثاله بل كانت رسالته عامة بنص القرآن؛ قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ كَآفَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (سبأ: 28).
    وإليك ترجمة حياة زيد بن عمرو إتماماً للحديث.

    ترجمة زيد بن عمرو



    هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي والد سعيد بن زيد أحد العشرة وابن عم عمر بن الخطاب يجتمع هو وعمر في نفيل، سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يبعث أمة وحده يوم القيامة»، وكان يتعبّد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ويوحّد الله تعالى ويقول: إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم. وكان يعيب على قريش ذبائحهم وقول: ــ الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى ــ إنكاراً لذلك وإعظاماً له وكان لا يأكل مما ذبح على النصب ــ الأوثان ــ واجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيد بن عمرو بأسفل بلدح قبل أن يوحى إليه وكان يحيي الموءودة، وعن زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حاراً من أيام مكة وهو مردفي فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل فحيا كل واحد منا صاحبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك»، قال: والله يا محمد إن ذلك لغير نائلة ترة لي فيهم ولكن خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا الدين الذي أبتغي، فخرجت فقال لي شيخ منهم: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخاً بالحيرة، قال: فخرجت حتى أقدم عليه فلما رآني قال: ممن أنت؟ قلت: أنا من أهل بيت الله من أهل الشوك والقرظ، قال: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بُعث نبيٌّ قد طلع نجمه وجميع من رأيتهم في ضلال، قال: فلم أحسّ بشيء.
    قال زيد بن حارثة: ومات زيد بن عمرو أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي في زيد: «إنه يُبعث يوم القيامة أُمة وحده».
    وقال أبو بكر الصدّيق يذكر اجتماعه بزيد بن عمرو:



    «كنت جالساً بفناء الكعبة وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعداً، فمر به أمية بن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: هل وجدت؟ قال: لا ولم آل من طلب، فقال:
    كل دين يوم القيامة إلا
    ما قضى الله والحنيفة بور
    أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين؟ قال: ولم أكن سمعت من قبل ذلك بنبيّ يُنتظر أو يُبعث، فخرجت أريد ورقة بن نوفل وكان كثير النظر في السماء، كثير همهمة الصدر، فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، أبى أهل الكتاب والعلماء إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسباً، ولي علم بالنسب، وقومك أوسط العرب نسباً، قلت: يا عم، وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له (أي ما يوحى إليه) إلا أنه لا ظلم ولا تظالم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم آمنتُ وصدقت».

    وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يقول: اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته. وقال ابن إسحاق: حدثني بعض آل زيد كان إذا دخل الكعبة قال: «لبيك حقّاً حقّاً، عُذت بما عاذ به إبراهيم».
    ويقول وهو قائم: «أنفي لك عانٍ راغم، مهما تجشمني فإني جاشم، البر أبغي لا المال وهل مهجر كمن قال؟» وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيد بن عمرو بن نفيل حتى خرج إلى أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم فلا يتركونه يدخل مكة وكان لا يدخلها إلا سراً منهم فإذا علموا به آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم، وتوفي زيد قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فرثاه ورقة بن نوفل:
    رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما



    تجنبت تنوراً من النار حاميا
    بدينك رباً ليس رب كمثله
    وتركك أوثان الطواغي كما هيا
    وقد يدرك الإنسان رحمة ربه
    ولو كان تحت الأرض ستين واديا
    وكان يقول: «يا معشر قريش إياكم والرياء فإنه يورث الفقر».
    هذه ترجمة زيد بن عمرو وهو مع اعتناقه دين إبراهيم هرباً من الوثنية لم يكن يعلم أحب الوجوه إلى الله تعالى ليعبده به ولم يذكر أنه اجتمع برسول الله غير مرة ولا بأبي بكر غير المرة التي ذكرناها.

    بدء الوحي6 أغسطس سنة 610م
    لما قربت أيام الوحي حُبِّب إليه صلى الله عليه وسلم الخلوة فكان يختلي في غار حراء ويتعبّد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، وكانت عبادته على دين إبراهيم عليه السلام وقيل: كان يتعبَّد إلهاماً من الله، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، وكانت تلك الرؤيا الصادقة مقدمات الوحي، قيل: مدتها ستة أشهر.
    فلما تم له أربعون سنة جاءه جبريل بالنبوة وذلك في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان لل سنة الحادية والأربعين من ميلاده، فيكون عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر وثمانية أيام، وذلك يوافق 6 أغسطس سنة 610 من وهو بغار حراء.
    جاء في «صحيح البخاري» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:



    «أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح ثم حُبِّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حِرَاء فيتحنث فيه ــ وهو التعبُّد ــ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال له: اقرأ، فقال: «ما أنا بقارىء»، قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاْكْرَمُ}» (العلق: 1 ــ 3)، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجُفُ فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: «زمّلوني، زملوني» فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيتُ على نفسي»، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسبُ المعدوم، وتَقْري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به وَرَقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العُزَّى ابن عم خديجة، وكان امرأَ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيَّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتبَ وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال لي ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو مخرجيَّ هم»؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً ثم لم ينشبورقة وان توفي وفترة الوحي.

  5. #5
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    افتراضي رد: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }



    أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن: «اقرأ» كما صح ذلك عن عائشة وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير، قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.

    النبي المنتظر
    اتفق مؤرخو العرب وأصحاب السير أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون ظهور نبيّ في ذلك الزمان وكانوا يعلمون أوصافه وأحواله، من ذلك أنهم ذكروا:
    1 ــ أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره.
    2 ــ قصة حليمة السعدية وأنها كانت تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود كلما مر بها جماعة منهم وتحدثهم بشأنه فكانوا يحضون على قتله فتهرب منهم.
    3 ــ أنهم اتفقوا على أن بحيرا الراهب عرف الرسول بعلامات فيه وقال لأبي طالب: «ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليَبغُنَّه شراً فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده».
    4 ــ في «سيرة ابن هشام» فصل عن إنذار يهود برسول الله نقلاً عن رواية ابن إسحاق فليراجع في موضعه وقد أوردته في هذا الكتاب.
    5 ــ قصة سلمان الفارسي الذي أسلم بعد أن استدل على رسول الله بعلامات كان يعرفها من الراهب الذي صحبه أخيراً، وقصة إسلام سلمان مشهورة ومذكورة في المصادر المعتبرة التي يعوّل عليها المؤرخون ولا يمكن أن تكون مختلفة، فقد رواها ابن عباس عن لسان سلمان الفارسي نفسه، والقصة مذكورة في هذا الكتاب أيضاً لأهميتها.

    6 ــ إسلام عبد الله بن سلام بن الحارث فإنه كان حَبراً عالماً، قال: سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مُسِرّاً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلى آخر ما قال مما هو مذكور في هذا الكتاب نقلاً عن «سيرة ابن هشام».
    7 ــ كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبياً يبعث في العرب اسمه محمد فسمى من بلغه ذلك من العرب ولده محمداً طمعاً في النبوة، وقد ذكرت في كتابي هذا أسماء بعضهم نقلاً عن «طبقات ابن سعد» كاتب الواقدي.
    8 ــ ما جاء في «صحيح البخاري» في باب بدء الوحي من أن ورقة بن نوفل (وذلك الشيخ العالم بالنصرانية والذي كان يكتب الإنجيل بالعبرانية) قال لرسول الله حين عرضته عليه خديجة: «هذا الناموس الذي نزل على موسى» الخ.
    9 ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع بني قينقاع ــ وهم طائفة من اليهود ــ قال لهم: «يا معشر اليهود احذروا من الله عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم».

    10 ــ كان قيس بن نُشْبَةَ في الجاهلية منجِّماً متفلسفاً واعداً بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال له: يا محمد ما كَحْلةُ؟ فقال: «السماء»، قال: وما مَحْلةُ؟ فقال: «الأرض»، فآمن به وقال: لا يعرف هذا إلا نبيٌّ، فقال قيس في ذلك:
    تابعتُ دين محمد ورضيتُه
    كلَّ الرضا لأمانتي ولديني
    ما زلتُ آمُلهُ وأرقب وقته
    والله قدر أنه يهديني
    أعني ابنَ آمنةَ الأمينَ ومن به
    أرجو التخلصَ من عذاب الهون
    فكان قوم قيس إذا وردوا على النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «كيف حبركم».


    كل هذا وغيره يؤيد أنهم كانوا ينتظرون نبياً يظهر في ذلك الزمان وليس ذلك بمستغرب فإن البشارة به صلى الله عليه وسلم قد وردت في التوراة والإنجيل وقد أثبتنا ذلك في فصل سابق من هذا الكتاب مستشهدين بآيات من الكتاب المقدس المطبوع باللغة العربية (راجع ص 45 ــ 47) فلا بد أن أهل الكتاب في ذلك الزمان كانت لديهم كتب أخرى ألَّفها علماؤهم شرحاً للكتاب المقدس فاستقوا منها تلك المعلومات والعلامات التي عرفوا بها صفة رسول الله وموطنه وزمنه واضطهاد قومه له وهجرته، إننا نرجح ذلك بل نؤكده لأننا إذا كنا قد استخرجنا من الكتاب المقدس المطبوع في أيامنا آيات تبشر برسالته صلى الله عليه وسلم وتصفه وتصف شريعته وموطنه وأصحابه فلا بد أن يكون أهل الكتاب قديماً ــ ولا سيما العلماء منهم ــ قد اطلعوا في النسخ العبرية القديمة التي كانت لديهم، ولم نتوصل إليها، على معلومات أوفى خاصة بالرسول تعد غريبة بالنسبة لنا.
    هذا ما يستنتجه المؤرخ المنصف، بل هذا ما يتبادر إلى ذهن من تتبع سيرة الرسول.
    أما مستر موير فإنه انبرى في الجزء الثاني من كتابه يكذب جميع المصادر التاريخية ويرفض ما جاء فيها من أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون نبياً يبعث، زاعماً أن هذه الروايات لا أساس لها من الصحة وأنها من مخترعات المؤرخين لأنه لو اعترف بصحتها أو بصحة بعضها لوجب عليه أن يعترف برسالة النبي صلى الله عليه وسلم في حين أنه حاول في جميع ما كتبه واستنبطه إثبات أنه لم يكن نبياً بل كان رجلاً يدّعي النبوة لبسط نفوذه.

    النبيُّ الأمي


    أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن: «اقرأ» كما صح ذلك عن عائشة وروى ذلك عن أبي موسى الأشعري، وعبيد بن عمير، قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف، وقوله: «ما أنا بقارىء» أي إني أميٌّ فلا أقرأ الكتب. قال الزجاج: الأميّ الذي على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته، وفي التنزيل العزيز: {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلاَّ أَمَانِىَّ} (البقرة: 78)، فمعنى الأميين في هذه الآية الذين لا معرفة لهم بقراءة ولا كتابة.
    قال أبو إسحاق: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلة أمه أي لا يكتب وهو في أنه لا يكتب أميّ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نسب إلى ما يولد عليه، أي على ما ولدته أمه عليه، وكانت الكتابة في العرب من أهل الطائف تعلموها من رجل من أهل الحيرة وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار، وفي الحديث: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» أراد على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى، وفي الحديث: «بعثت إلى أمة أمية» قيل للعرب الأميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، هذا معنى كلمة «أميّ» في اللغة العربية وهكذا كان يفهمها العرب.
    قال تعالى في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الامّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} (الأعراف: 157)، وقال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} (العنكبوت: 48) الآية، قال الفخر الرازي في «تفسيره»: «فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أميّاً، قال أهل التحقيق وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه:


    الأول: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته، والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها بالقليل والكثير، ثم إنه عليه الصلاة والسلام ــ مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ ــ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك من المعجزات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} (الأعلى: 6).
    الثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً في أنه ربما طالع كتب الأوَّلين فحصّل هذه العلوم من تلك المطالعة، فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات، وهذا هو المراد من قوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَبَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: 48).

    الثالث: أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من الحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات» اهـ.
    وقد طالعت ما كتبه الذين تعرضوا لهذا البحث من الإفرنج الذين ترجموا حياة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت تخبطاً مدهشاً فقد بحث الأستاذ نولدكه الألماني في كتابه «تاريخ القرآن» هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ فلم يجزم بشيء بيد أنه زعم أن لفظة «أميّ» المذكورة في القرآن لا تدل على أنه يجهل القراءة والكتابة بل تفيد أنه لا يعرف الأسفار القديمة.


    والثابت من التاريخ والقرآن والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف القراءة والكتابة بالرغم من أن بعض المستشرقين يحاولون أن يثبتوا عكس ذلك من غير برهان، إنما هم يستنتجون بعقولهم، ليتعجبوا ما شاءوا من أُمِّيته ولكن يجب عليهم أن يعترفوا بأنه ما كان يعلم القراءة والكتابة. وجاء في «قاموس الإسلام»:
    «ومع ذلك فمن المحقق أنه ــ النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان يتظاهر بأنه يجهل القراءة والكتابة كي يجعل إنشاء القرآن معجزاً».
    فهل بعد ذلك تعسُّف لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ أو يكتب لتحدث بذلك أصحابه أو أعداؤه، ولما أمكن أن يكون سراً مكتوماً طول حياته خصوصاً أن جميع صفات النبي وأعماله قد روتها الصحابة بالتفصيل حتى خصوصياته في منزله مع نسائه، على أن المنصفين من مؤرخي الإفرنج وفلاسفتهم قد اعترفوا بأُمِّيته فمن ذلك ما كتبه المسيو سيديو في كتابه «تاريخ العرب» الجزء الأول ص 59 من الطبعة الثانية:
    «ولما كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعلم مثل أبناء وطنه كان لا يعرف القراءة».
    وقال الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل في كتاب «الأبطال» الذي عني بترجمته الأستاذ محمد السباعي رحمه الله:
    «ثم لا ننسى شيئاً آخر وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب، ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمداً لم يكن يعرف الخط والقراءة وكل ما تعلم هي عيشة الصحراء وأحوالها».

    وجاء في «كتاب الإسلام» تأليف الكونت هنري دي كاستري، ترجمة المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا:


    «إن محمداً ما كان ليقرأ أو ليكتب بل كان ــ ما وصف نفسه مراراً ــ نبياً أميّاً، وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه، ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس لأن حياة الشرقيين كلها ظاهرة للعيان، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار، الخ».
    ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً احتاج إلى كتّاب يكتبون له وقد ذكرهم الحافظ أبو القاسم في «تاريخ دمشق»، وروى ذلك كله بأسانيده وهم:
    أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، والزبير، وأبيّ بن كعب بن قيس، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن مسلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد بن سعيد، وثابت بن قيس، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، والعلاء بن عتبة، والمغيرة بن شعبة، والسجل، وزاد غيره شرحبيل بن ح سنة ، وقالوا: وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت ومعاوية رضي الله عنهم.
    وسيأتي في غزوة أُحُد أن العباس كان بمكة وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً يخبره بجمع قريش وخروجهم، فلما جاء كتاب العباس وكان أرسله مع رجل من بني غفار، فك رسول الله ختمه ودفعه لأبيّ بن كعب فقرأه عليه فاستكتم أبيّاً.
    فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة لما دفع كتاباً يحوي أخباراً سرية إلى أحد لقراءته.
    قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: كنت جار رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فكتبته له.


    وذكر ابن ماكولا أن تميم بن جراشة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثمّ ائتوني به. فسألناه في كتابنا أن يحلّ لنا الربا والزنا فأبى عليّ أن يكتب لنا فسألنا خالد بن سعيد بن العاص، فقال له عليّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بأمره. فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للقارىء: اقرأ، فلما انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها فوضع يده فقال: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَواْ} (البقرة: 278) الآية، ثم محاها وألقيت علينا السكينة فما راجعناه فلما بلغ «الزنا» وضع يده عليها وقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} (الإسراء: 32) الآية، ثم محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.

    وقد زعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو الكتب الدينية القديمة ومنها استقى معلوماته، وهذا الزعم لا أساس له، إذ لم يكن في جزيرة العرب كتب دينية باللغة العربية في ذلك الوقت، ومن المؤكد أنه ما كان يعرف أي لغة من اللغات الأجنبية.
    وقد قيل أيضاً: إنه صلى الله عليه وسلم اقتبس بعض تعاليم المسيحية أثناء سفره إلى الشام عندما كان يتاجر، وبديهي أن التاجر العربي الذي لا يعرف اللغة الآرامية واليونانية كان يتعذر عليه الحصول على معلومات دينية من مسيحيي الشام، أما الذين كانوا يتكلمون العربية من هؤلاء المسيحيين فقد كانوا جهالاً أميين.
    وأما ما قيل من أن ورقة بن نوفل ترجم جزءاً من الكتب المسيحية إلى العربية فغير محتمل بالمرة ومع ذلك يزعم دومنغم في كتابه «حياة محمد» أن ورقة ترجم الأناجيل إلى العربية وهذا زعم لا أساس له إنما هو مجرد ظن.


    فالمستشرقون الذين زعموا أن رسول الله كان يعرف القراءة والكتابة غضوا الطرف عن الآيات التي صرحت بأنه كان أميّاً، ذلك لأنهم وجدوا أن القرآن معجز ويحتوي على قصص الماضين وعلى شريعة عظيمة فاقت كل الشرائع وفيه عظات بالغة وحكم وأمثال رائعة وأن أبناء هذا العصر مع تقدم العلوم والفنون وانتشار الجامعات لم يستطيعوا أن يضعوا شريعة للناس كالشريعة الإسلامية ولا آداباً وأخلاقاً كالآداب والأخلاق الواردة في القرآن، فهالهم الأمر وتحيروا وقالوا في أنفسهم: من أين جاء لمحمد (صلى الله عليه وسلم هذا العلم كله، وكيف كان أميّاً؟ فإن قيل لهم: هذا دليل على نبوَّته وأنه صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه، لم يسلموا لأنهم لو سلموا بنزول الوحي عليه لزمهم التصديق برسالته تخلُّصاً من هذا المأزق، ونفوا عنه الأمية وقالوا: إنه كان يقرأ ويكتب ويتلو الكتب القديمة ولما وجدوا أن التاريخ لا يساعدهم على هذا الزعم لأن معاصريه صلى الله عليه وسلم أقروا أنه كان أميّاً وأن ذلك يطابق ما جاء في القرآن، قال قائلهم: إنه كان يخفي أمره ويكتم عن الناس (وعن الناس جميعاً حتى عن زوجاته وأولاده وجميع أصحابه) علمه بالقراءة والكتابة، وهذا قول مضحك لأن الذي يقرأ ويكتب لا بد أن يراه أحد بل يراه كثير من الناس، فإن هذا أمر لا يمكن إخفاؤه كالأكل والشرب، هذه هي الحقيقة وهذا ما نعتقد وما يجب أن يعتقده كل باحث في السيرة المحمدية والشريعة الإسلامية.

    فترة الوحي


    جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما وهو يحدث عن فترة الوحي فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: {يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر: 1 ــ 5) فحمى الوَحْي وتتابع».
    قال ابن إسحاق: ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان بقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: 185)، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ سَلَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر: 1 ــ 5)، وقال الله تعالى: {حم وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (الدخان: 1 ــ 5)، وقال تعالى: {إِن كُنتُمْ ءامَنْتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} (الأنفال: 41) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان.
    k


    ولما فتر الوحي حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس الجبال فكلما أوفى على ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما جزم به ابن إسحاق ثم نزل عليه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به، وما ودعه وما قلاه، فقال تعالى: {وَالضُّحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاْولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى} (الضحى: 1 ــ 8) يعرفه الله أنه ما قطعه قطع المودع وما أبغضه.

    رُوي أن الوحي لما تأخر عنه قال المشركون إن محمداً ودعه ربه وقلاه فنزلت رداً عليهم: {وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاْولَى}، فإنها باقية خالصة من الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار.

    أول من آمن به
    أول من آمن به من الرجال البالغين الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليٌّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال بن رباح الحبشي.
    قال أهل الأثر وعلماء السير: إن أول الناس إيماناً به صلى الله عليه وسلم على الإطلاق خديجة رضي الله عنها وصلى رسول الله معها آخر يوم الاثنين وهو أول يوم من صلاته وكانت الصلاة وقتئذ ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
    وكان عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه لم يبلغ الحلم حين أسلم وكان ابن عشر سنين وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه يطعمه ويقوم بأمره وهو أصغر إخوته وسيأتي سبب إسلامه رضي الله عنه في ترجمة حياته.


    وأول من أسلم من النساء بعد خديجة أم أيمن وأم الفضل زوج العباس وأسماء بنت أبي بكر وأم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب.

    أبو بكر الصديق وإسلامه
    هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي.
    ولد أبو بكر سنة 573 م وهو أول الخلفاء وأمه أم سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي ابنة عم أبي قحافة وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وفي الهجرة والخليفة بعده، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم، وقد اختلف في اسمه فقيل: كان عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقيل: إن أهله سموه عبد الله ولا يبعد ذلك لأن التسمية بعبد الله كانت موجودة قبل الإسلام؛ ويقال له عتيق أيضاً، واختلفوا في السبب الذي قيل له لأجله «عتيق» فقال بعضهم: قيل له عتيق لحسن وجهه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة معه. وقال الزبير بن بكار وجماعة معه: إنما قيل له عتيق لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وقيل: إنما سمي عتيقاً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنت عتيق من النار». وعن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أنت عتيق من النار» فيومئذ سُمي عتيقاً، وقيل له: «الصديق» أيضاً، قالت عائشة رضي الله عنها: لما أُسريَ بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان قد آمن وصدق وفتنوا به، فقال أبو بكر: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة، فلذلك سُمي أبو بكر الصدّيقَ، وقال أبو محجن الثقفي:

    وسميت صديقاً وكل مهاجر
    سواك يسمى باسمه غير منكر


    سبقت إلى الإسلام والله شاهد
    وكنت جليساً في العريش المشهر
    وكان رضي الله عنه صديقاً لرسول الله قبل البعثة وهو أصغر منه سناً بثلاث سنوات، وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته وقيل: كُنّي بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة فلما أسلم آزر النبي صلى الله عليه وسلم في نصر دين الله تعالى بنفسه وماله وكان له لما أسلم أربعون ألف درهم أنفقها في سبيل الله مع ما كسب من التجارة، قال تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الاْتْقَى الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَى} (الليل: 17 ــ 19)، وقد أجمع المفسرون على أن المراد منه أبو بكر؛ قال الفخر الرازي رداً على من قال إنها نزلت في حق عليّ رضي الله عنه: «ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت أقيم الدلالة العقلية على أن المراد من هذه الآية أبو بكر، وتقريرها أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل الخلق فإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد هو أبو بكر فهاتان المقدمتان متى صحتا صح المقصود إلى أن قال ــ لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله إما أبو بكر أو عليّ ولا يمكن حمل هذه الآية على عليّ بن أبي طالب فتعين حملها على أبي بكر، وإنما قلنا لا يمكن حملها على عليّ بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى: {وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَى} (الليل: 19)، وهذا الوصف لا يصدق على عليّ بن أبي طالب لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه وكان الرسول منعماً عليه نعمة يجب جزاؤها، أما أبو بكر فلم يكن للنبي عليه السلام عليه نعمة دنيوية بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام، بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين إلا أن هذا لا يجزي لقوله تعالى: {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} (الفرقان: 57) والمذكور ها هنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى فعلمنا أن هذه


    الآية لا تصلح لعليّ رضي الله عنه».
    كان أبو بكر رضي الله عنه من رؤساء قريش في الجاهلية محبباً فيهم مؤلفاً لهم وكان إليه الأشناق في الجاهلية كان إذا حمل شيئاً صدّقته قريش وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه فلما جاء الإسلام سبق إليه وأسلم على يده جماعة لمحبتهم له وميلهم إليه حتى إنه أسلم على يده خمسة من العشرة، وقد ذهب جماعة إلى أنه أول من أسلم، قال الشعبي: سألت ابن عباس من أول من أسلم؟ قال: أبو بكر، أما سمعت قول حسان:

    إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة
    فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
    خير البرية أتقاها وأعدلها
    بعد النبي وأوفاها بما حملا
    والثاني التالي المحمود مشهده
    وأول الناس قدماً صدّق الرسلا
    وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر وكان تاجراً ذا ثروة طائلة وكريماً حسن المجالسة عالماً بتعبير الرؤيا، ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الإسلام، قال ابن إسحاق: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر رضي الله عنه ما عتم عنه حين ذكرته له» ــ أي أنه بادر به ــ، ونزل فيه وفي عمر: {وَشَاوِرْهُمْ فِى الاْمْرِ} (آل عمران: 159)، فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يشاوره في أموره كلها ولما اشتد أذى كفار قريش لم يهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين بل بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر معه إلى المدينة تاركاً عياله وأولاده وأقام معه في الغار ثلاثة أيام، قال الله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40).


    لما كانت الهجرة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد أذِنَ لي في الخروج»، قالت عائشة: فلقد رَأيت أبا بكر يبكي من الفرح، ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام، قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40).
    وقد دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر لأن رسول الله لولا ثقته التامة بأبي بكر لما استصحبه في هجرته واستخلصه لنفسه وكل من سوى أبي بكر فارق رسول الله وأنه تعالى سماه ثاني اثنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه ويجله ويعرّف أصحابه مكانه ويثني عليه في وجهه، واستخلفه في الصلاة وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأُحُداً والخندق وبيعة الرضوان بالحديبية وخيبر وفتح مكة وحنيناً والطائف وتبوك وحجة الوداع.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً»، ودفع أبو بكر عقبة بن أبي معيط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خنق رسول الله وهو يصلي عند الكعبة خنقاً شديداً وقال: «يا قوم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم» وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله تعالى منهم بلال وعامر بن فهيرة، وكان أبو بكر إذا مُدح قال: «اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون» وهذا من تواضعه رضي الله عنه، ومما يدل على قوة إرادة أبي بكر ما قاله أبو السفر وهو: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا: يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيباً ينظر إليك؟ قال: قد نظر إليّ، قالوا: ما قال؟ قال: «إني فعَّال لما أريد».



    قال عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالي، فقال: «ما أبقيت لأهلك»؟ قلت: مثله، جاء أبو بكر بكل ما عنده فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك»؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً.
    ومن أخبار تواضعه رضي الله عنه أنه كان يحلب للحيّ أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائحنا، فسمعها أبو بكر فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية: أتحبين أن أرغي لك أو أن أصرح؟ فأي ذلك؟ قالت: فعل.
    والآن يقولون إننا في عصر المدنية والحرية والديمقراطية ومع هذا تجد الموظف الصغير يأنف أن يكلم الناس أو يقضي حوائجهم.


    وعن سالم بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد مرضه أُغمِيَ عليه فلما أفاق قال: «مروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، قال: ثم أُغميَ عليه فقالت عائشة: إن أبي رجل أسِيف فلو أمرت غيره، فقال: «أقيمت الصلاة»؟ فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبي رجل أسِيف فلو أمرت غيره، قال: «إنكن صواحبات يوسف مروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أفاق فقال: «أقيمت الصلاة»؟ قالوا: نعم، قال: «ادعوا لي إنساناً أعتمد عليه» فجاءت بريرة وإنسان آخر فانطلقوا يمشون به وإن رجليه تخطان في الأرض، فأجلسوه إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتأخر فحبسه حتى فرغ الناس فلما توفي ــ قال: وكانوا قوماً أميين لم يكن فيهم نبي قبله ــ قال عمر: لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا، فقالوا له: اذهب إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه ــ يعني أبا بكر ــ، فذهبت، فوجدته في المسجد قال: فأجهشت أبكي، قال: لعل نبي الله توفي، قلت: إن عمر قال لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فأخذ بساعدي ثم أقبل يمشي حتى دخل فأوسعوا له فأكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كاد وجهه يمس وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر نفسه حتى استبان أنه توفي، فقال: إنك ميت وإنهم ميتون، قالوا: يا صاحب رسول الله توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، فعلموا أنه كما قال.
    قال ابن إسحاق: توفي أبو بكر رضي الله عنه يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشر (23 أغسطس سنة 634) وصلى عليه عمر بن الخطاب.

    توفي بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر بالمدينة وهو ابن ثلاث وستين سنة .


    وكان أبو بكر رجلاً أبيض نحيفاً خفيف العارضين أحنى، معروق الوجه، غائر العينين، ناتىء الجبهة، عاري الأشاجع، يخضب بالحناء والكتم، وكان أول من أسلم من الرجال وأسلم أبواه، له ولوالديه ولولده وولد ولده صحبة رضي الله عنهم، واختلف في سبب موته، فقيل: إنه مات مسموماً، وقيل: إنه اغتسل في يوم بارد فَحُمَّ خمسة عشر يوماً ثم مات بعدها، وقيل: إنه مات كمداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم
    هذه ترجمة حياة أبي بكر أثبتناها هنا بمناسبة إسلامه وما كان له من الشأن العظيم والقدر الرفيع، ولأنه قد بذل المجهود في نصرة الرسول فدل بذلك على غاية الوفاء ومنتهى الإخلاص، ولم يكن ــ رضي الله عنه ــ رجلاً ضعيفاً كما ظن بعض المستشرقين، بل كان شجاعاً وكان مع شجاعته مخلصاً لا يبالي بالأهوال ويحتمل المشقات كما يستفاد من سيرته، فبقي مع الرسول ولم يهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين عند اشتداد أذى الكفار على المسلمين، ولما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة معه بكى من فرط السرور واشترك معه في غزواته، وهو ممن ثبت مع رسول الله في غزوة أُحُد، ولما توفي النبي فقد الناس صوابهم وقال عمر من قال: إن محمداً مات ضربته بسيفي هذا، أما أبو بكر فملك شعوره ولم يفقده وقع المصاب الجلل صوابه، فقال: إنك ميت وإنهم ميتون، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كانت هذه مواقف ضعف وخلال وهن فأين مواطن القوة؟ ولم نذكر هنا أعماله الجليلة في خلافته.


    يقول هؤلاء المستشرقون إنه كان يصدق الرسول تصديقاً أعمى وإنه كان كالنساء سريع البكاء، وهو قول عجيب، فكيف لا يصدق الرسول وهو يعلم أنه صادق لا يكذب، بل هو أعلم خلق الله بصدقه عليه الصلاة والسلام لصحبته له تلك الصحبة الطويلة، إن تصديقه لرسول الله في كل ما قاله نتيجة الثقة به ولأجل هذه الثقة المتينة كان لا يتردد في التصديق به، ولأجلها تحمل معه الشدائد والاضطهادات، ولأجلها أنفق أمواله كلها وهذا شأن العاقل الذي إذا ثبت يقينه على أساس قوي لم يبال بما يصادفه من عقبات في سبيل نصرة الحق، أما بكاؤه عند سماع القرآن فهذا أظهر دليل على إخلاصه وتوقد ذكاؤه وقوة فهمه لكلام الله عز وجل إذ بقدر الفهم يكون التأثر، وقد أجمعوا على كثرة علمه ووفور عقله وفهمه وزهده وتواضعه.

    كلماته المأثورة
    كان رضي الله عنه يقول:
    «أكيس الكياسة التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة، إن العبد إذا داخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة، ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل، وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد».
    وقال: «لا خير في قول لا يراد به وجه الله ولا في مال لا ينفق منه في سبيل الله، ولا فيمن يغلب جهلُه حلمَه، ولا فيمن لا يخاف في الله لومة لائم».
    «وجدنا الكرم في التقوى والغَناء في اليقين والشرف في التواضع».
    «من مقت نفسه في ذات الله، أمنه الله من مقته».
    «فاز بالمروءة من امتطى التغافل، وهان على القربى من عرف باللجاج».
    «إياكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب ثم إليه يعود، ثم يأكله الدود».
    «لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة».

    علي بن أبي طالب وإسلامه


    علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد سنة 600 ــ 601 بعد الميلاد، وأم عليّ فاطمة بنت أسد بن هاشم وكنيته أبو الحسن وصهر رسول الله على ابنته فاطمة وأبو السِّبطين، وهو أول هاشمي وُلد من هاشميين، والخليفة الرابع وأول خليفة من بني هاشم وكان حين أسلم لم يبلغ الحلم، وقال ابن إسحاق: إنه كان يومئذ ابن عشر سنين وكان في كفالة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه لأن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب كثير العيال، قليل المال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً وضمه إليه وأخذ العباس جعفراً وضمه إليه تخفيفاً عن أبي طالب ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.

    وسبب إسلامه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه خديجة رضي الله عنها وهما يصليان سواء، فقال: ما هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دين الله الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته والكفر باللات والعزى»، فقال علي رضي الله عنه: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم فلست بقاض أمراً حتى أحدث أبا طالب، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: «يا عليّ إذا لم تسلم فاكتم هذا»، فمكث عليّ ليلته ثم إن الله تعالى هداه إلى الإسلام فأصبح غادياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم على يديه، وكان عليّ رضي الله عنه يخفي إسلامه خوفاً من أبيه إلى أن اطلع عليه وأمره بالثبات عليه فأظهره حينئذ، أما أبو طالب فلم يرض أن يفارق دين آبائه، وعن أنس بن مالك قال: بُعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه ليلة خرج مهاجراً وقال: «إن قريشاً لم يفقدوني ما رأوك» فاضطجع على فراشه، وسيأتي ذكر ذلك عند الكلام على الهجرة، ثم لحق برسول الله بالمدينة بعد قضاء ديون رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّ الودائع التي كانت عنده، فلما وصل إليها كانت قدماه قد ورمتا من المشي وكانتا تقطران دماً فاعتنقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى رحمة لما أصاب قدميه وتفل في يديه ومسح بهما رجليه ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشهد رضي الله عنه، وشهد بدراً وغيرها من المشاهد، ولم يشهد غزوة تبوك لا غير لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على أهله، وأصابته يوم أُحُد ست عشرة ضربة، وكان عليّ رضي الله عنه مع شجاعته الفائقة عالماً.

    واستخلف عليّ رضي الله عنه، وبويع بالمدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل عثمان وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين (24 يونيه 656).

    قتله رضي الله عنه
    انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو من حمير وعداده في بني مراد وهو حليف بني جبلة، من كندة والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة عليّ بن أبي طالب ومعاوية وعمرو بن العاص ويريحون العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعليّ، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا عليه وتواثقوا ألا ينكص منهم رجل عن صاحبه الذي سمي له ويتوجه له حتى يقتله أو يموت دونه، فحددوا ليلة سبع عشرة من رمضان ثم توجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد وكان يزورهم ويزورونه فزار يوماً نفراً من بني تيم الرباب فرأى امرأة منهم يُقال لها: قطام بنت سخبة بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب وكان عليّ قتل أباها وأخاها بالنهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تسمي لي، فقال: لا تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فقالت: ثلاثة آلاف وقتل عليّ بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل عليّ وقد أعطيتك ما سألت، ولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه أن يكون معه فأجابه إلى ذلك وظل ابن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل علياً في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى طلع الفجر، فقال له الأشعث، فضحك الصبحُ فقام ابن ملجم الكندي وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا في مقابل السدة التي يخرج منها عليّ، فلما خرج


    اعترضه الرجلان فضرب الاثنان بسيفيهما، فأما سيف ابن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه وكان قد سنّ سيفه شهراً، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق فسمع عليّ يقول: لا يفوتنكم الرجل وشد الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت وأُخذ ابن ملجم فأدخل على عليّ فقال: «أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعش فأنا وليّ دمي عفو أو قصاص، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين» ضرب عليّ رضي الله عنه في السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين (24 يناير سنة 661) واستشهد بعد ذلك بثلاثة أيام ودفن بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الأصح وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.

    قال عليّ الباقر: كان عليّ آدم اللون مقبل العينين عظيمهما ذا بطن، أصلع، ربعة لا يخضب، وقال أبو إسحاق السبيعي: رأيته أبيض الرأس واللحية وكان ربما خضب لحيته، وقال أبو رجاء العطاردي: رأيت علياً ربعة، ضخم البطن، كبير اللحية قد ملأت صدره، أصلع، شديد الصلع.
    t
    هذا وقد اقتصرت في تاريخ حياة عليّ رضي الله عنه عَلى هذا القدر الضروري لأن المقام لا يسع أكثر من ذلك.

    زيد بن حارثة وإسلامه


    زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى، ويقع في نسبه خلاف وتغيير وزيادة ونقص وهو أشهر موالي رسول الله، ويقال له حِب رسول الله وهبته خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبنَّاه وذلك أن أباه قد وَجَدَ (حَزِنَ) لفقده وجداً شديداً وكان قد أخذ في السبي، فلما علم أبوه أنه بمكة قدمها ليفديه فدخل حارثة وأخوه كعب على النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فقال: «من هو»؟ قالا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فهلا غير ذلك؟» قالا: ما هو؟ قال: «ادعوه وخيروه فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً»، قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: «فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما»، قال: ما أريدهما وما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني فكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟ قال: نعم، ورأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه»، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا.

  6. #6
    .:: الإدارة العـــامة ::.
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    بلدي في قلبي
    المشاركات
    3,525
    قوة الترشيح
    عدد النقاط
    100
    مزاجي
    My MmS:

    افتراضي رد: سيدنا محمد { صلى الله عليه وسلم }

    وهاجر زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وشهد بدراً وأُحداً والخندق والحديبية وخيبر، وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر، وكان من الرماة المذكورين وزوَّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، ثم طلقها، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَهُ} (الأحزاب: 37)، إلى قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} (الأحزاب: 37)، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ــ يعني زينب ــ قالوا: إنه تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ} (الأحزاب: 40)، وكان زيد يقال له زيد بن محمد فأنزل الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لاِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} (الأحزاب: 5) الآية.

    قال العلماء: ولم يذكر الله عز وجل في القرآن باسمه العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم إلا زيداً في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَكَهَا} (الأحزاب: 37).
    وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة، وأرسله رسول الله أخيراً أميراً على الجيش في غزوة مؤتة فقاتل فيها حتى قتل وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وكان زيد أبيض أحمر وكان ابنه أسامة آدم شديد الأدمة (أي أسمر).

    الدعوة إلى الإسلام خفية



    بعد أن نزلت سورة: «يا أيها المدثر» أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله تعالى وتتابع الوحي، ونزول هذه السورة ابتداء رسالته صلى الله عليه وسلم فهي متأخرة عن نبوته، وصار عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى الإسلام خفية ثلاث سنين لعدم الأمر بالإظهار إلى أن أُمر بإظهار الدعوة وكان من أسلم إذا أراد الصلاة ذهب إلى بعض الشعاب ليستخفي بصلاته من المشركين حتى اطلع نفر من المشركين على سعد بن أبي وقاص وهو في نفرٍ من المسلمين يصلون في بعض الشعاب فناكروهم وعابوا ما يصنعون وقاتلوهم فضرب سعد رجلاً منهم فشجه وهو أول دم أهريق في الإسلام، فعند ذلك خل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه دار الأرقم مستخفين بصلاتهم وعبادتهم إلى أن أمره الله تعالى بإظهار الدين، ودار الأرقم هي دار للأرقم بن أبي الأرقم من السابقين في الإسلام وهي في أصل الصفا.
    وقد أسلم من الصحابة بدعاء أبي بكر: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا وهنا يجب أن نذكر شيئاً عنهم لرفعة شأنهم.
    1 ــ فعثمان بن عفان هو الخليفة الثالث، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة ويقال له: ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية ثم أم كلثوم بعد وفاة رقية، ولد في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن 82 سنة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة ، وفي زمنه كانت غزوة الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرس وإصطخر الآخرة وفارس الأولى ثم خوز وفارس الآخرة ثم طبرستان ودار بجرد وكرمان وسجستان ثم الأساودة في البحر وغيرهن ثم مرو.
    وكان رضي الله عنه حسن الوجه، رقيق البشرة، كث اللحية، أسمر كثير الشعر، بين الطويل والقصير وكان محبباً من قريش.



    2 ــ الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أخي خديجة بنت خويلد زوجة النبي، وكان عمره حين أسلم اثنتي عشرة سنة ، وهو أحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة في أحدهم: عثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، هاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وهو أول من سلّ سيفاً في سبيل الله، شهد بدراً وأُحداً والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد اليرموك وفتح مصر، وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية، وكان الزبير يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف فلحقه جماعة من الغوغاء فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة وقبره هناك، قتل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وكان عمره حينئذ سبعاً وستين، وقيل: ستاً وستين سنة .

    3 ــ عبد الرحمن بن عوف ولد بعد الفيل بعشر سنين قبل دخول رسول الله دار الأرقم، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين هم أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخلافة، وجرح يوم أُحُد إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله وسقطت ثنيتاه، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحداً وثلاثين عبداً، وكان كثير المال محظوظاً في التجارة، غنياً، وكان أبيض مشرباً بحمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين، أهدب الأشفار، أقنى له جمة ضخم الكفين غليظ الأصابع لا تغير بشعره، توفي سنة ثنتين وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين ودفن بالبقيع.



    4 ــ سعد بن أبي وقاص ــ وكان عمره حين أسلم تسع عشرة سنة وهو أحد العشرة وأحد الستة أصحاب الشورى وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأول من أراق دماً في سبيل الله، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، شهد مع رسول الله بدراً وأُحُداً والخندق وسائر المشاهد وكان يقال له فارس الإسلام، وأبلى يوم أُحد بلاءً شديداً وكان مجاب الدعوة، استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها إلى بلاد فارس، وكان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وغنمهم وفتح مدائن كسرى وبنى الكوفة وولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه العراق، ورمى سعد يوم أُحُد ألف سهم، ولما قتل عثمان رضي الله عنه اعتزل سعد الفتن فلم يقاتل في شيء من تلك الحروب، توفي سنة خمس وخمسين بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع وكان آدم طوالاً ذا هامة.
    5 ــ طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين لم يشهد بدراً وشهد أُحُداً وما بعدها من المشاهد: قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان عمره أربعاً وستين سنة وقبره بالبصرة مشهور يُزار ويُتبرك به.



    هذا جزء يسير من تراجم الخمسة الذين أسلموا بدعاء أبي بكر، وهم من الرجال الذين ذاع صيتهم في الإسلام لما قاموا به من جلائل الأعمال، وقد أسلم بعد هؤلاء: أبو عبيدة الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت الخطاب وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة وخباب بن الأرتّ حليف بني زهرة وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ومسعود بن القاري وهو مسعود بن ربيعة وسليط بن عمرو وأخوه حاطب بن عمر وعيَّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة وامرأته أسماء بنت سلامة وخنيس بن حذافة بن قيس وعامر بن ربيعة وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عُمَيس وحاطب ابن الحارث وغيرهم.

    الرد على مستر مرجوليوث



    قدمنا أن عثمان بن عفان قد أسلم إجابة لدعوة أبي بكر، لكن الأستاذ مرجليوث في كتابه «محمد» يزعم أن سبب إسلامه أنه كان يحب رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريد أن يتزوجها، فلما بلغه أنها خطبت لغيره حزن وأخبر أبا بكر بما بلغه وصادف مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسرّ أبو بكر كلمات في أذن الرسول وبذلك انتهى الأمر وأسلم عثمان وتزوج رقية، ولم يذكر لنا مستر مرجوليوث المصدر الذي استقى منه هذا الخبر حتى نناقشه ونفنده فما كل رواية يؤخذ بها ويعوّل عليها، ثم تعرض بعد ذلك إلى خالد بن سعيد وسبب إسلامه، فقد كان خالد من السابقين إلى الإسلام فكان ثالثاً أو رابعاً وقيل: كان خامساً في الإسلام، وسبب إسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به وكأن أباه يدفعه فيها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذاً بحقويه لا يقع فيها ففزع من نومه وقال: أحلف إنها لرؤيا حق ولقي أبا بكر رضي الله عنه فذكر ذلك له، فقال له أبو بكر: أُريد بك خيراً، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه فإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع في النار وأبوك واقع فيها. فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال: «يا محمد إلى من تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده»، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وبعد أن ذكر مرجوليوث رؤيا خالد باختصار وتعبير أبي بكر لها وأن هذه الرؤيا كانت سبب إسلام خالد بن سعيد، تساءل هل الناس حقيقة يحلمون هكذا؟ لكنه قال: «إن فلاماريون وميرز (Flammarion and Myers) يجيبان نعم، إنهم يرون مثل ذلك» وهما من العلماء المشهورين، والمدهش أن الأستاذ مرجوليوث لا يعلم أن الناس


    يرون أحلاماً هكذا مع إقرار علماء النفس في أوربا وأمريكا بذلك، والأحلام على العموم شائعة بين الناس، وليست رؤيا خالد من الأحلام المستغربة حتى يشك فيها مثل مرجوليوث، أما إذا كان الشك لغرض فهذا أمر آخر.
    إن الناس يرون أحلاماً يتحقق بعضها وبعضها يحتاج إلى تأويل، ويستبعد جداً أن يقص إنسان حلماً مختلفاً وليس للأحلام حدود أو ضوابط حتى يقال: إن هذا حلم وهذا ليس بحلم، فلا محل لتحكّم مستر مارجوليوث واستنكاره رؤيا خالد بن سعيد للنار، وهذا يوسف عليه السلام ورؤياه التي قصها على أبيه فقد تحققت بعد أربعين عاماً وما رآه الفتيان اللذان كانا معه في السجن مما ورد ذكره في القرآن فقد عبّر يوسف عليه السلام رؤياهما وتحققت حسب تعبيره، إذ عاد أحدهما إلى مركزه السابق لدى الملك وأُعدم الآخر، إلا أن مستر مرجوليوث غرضه التهكم على الإسلام لا استنكار الأحلام، وهذا لا يليق بمستشرق مثله.

    إيذاء المشركين لأبي بكر الصدّيق
    عبادة الأصنام مع أنها واضحة البطلان فإن العرب كانوا متمسكين بها تمسكاً شديداً لرسوخها في نفوسهم منذ زمن طويل فلا يطيقون سماع من يعيبها أو يطعن فيها بل لا يقبلون إرشاد ناصح يخاطبهم بالحسنى ويناقشهم بالعقل والبرهان، فإذا قيل لهم كيف تعبدون الحجارة التي لا تنفع ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تعلم من يعبدها، ومن لا يعبدها، ثارت ثائرتهم وقالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا واعتدوا على أعز الناس لديهم وأشرفهم وأعقلهم وأسهلهم أخلاقاً، فلم يكن من الحكمة وأصالة الرأي أن يجهر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه القليلون بالإسلام ويؤدوا شعائرهم الدينية أمام أمة بأسرها متعصبة لدينها الوثني تعصباً أعمى.



    وقد أدرك بعض أفراد بعقلهم الثاقب وفطرتهم السليمة أن قومهم في خطأ مبين فمنهم من مات وهو منكر لعبادة الأصنام قبل الإسلام، ومنهم من آمن برسول الله عندما بلغته رسالته كسلمان الفارسي أو عندما دعاه رسول الله إلى اتباع الدين القويم كأبي بكر، ومن أَسلم بدعائه وغيرهم ولم يبالوا بما يصيبهم من سخط قومهم وإيذائهم مع ما يعلمونه من قلة عدد المؤمنين في بادىء الأمر.
    فما وقع لأبي بكر رضي الله عنه من الأذية ما ذكره بعضهم كما في «السيرة الحلبية» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل دار الأرقم ليعبد الله هو ومن معه من أصحابه سراً ألحَّ أبو بكر رضي الله عنه في الظهور، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا أبا بكر إنا قليل»، فلم يزل به حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ودعا إلى رسول الله، فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى، فثار المشركون على أبي بكر رضي الله عنه وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضرباً مبرحاً، ووطىء أبو بكر بالأرجل وضرب ضرباً شديداً، وصار عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه، فجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار، ثم تكلم وقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذلوه فصار يكرر ذلك، فقالت أمه: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه، فخرجت إليها وقالت لها أن تسأل عن محمد بن عبد الله، قالت: لا أعرف محمداً ولا أبا بكر، ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟ قالت: نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعاً فصاحت وقالت:



    إن قوماً نالوا هذا منك لأهلُ فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: هذه أمك تسمع، قال: فلا عين عليك منها، أي إنها لا تفشي سرك، قالت: سالم هو في دار الأرقم، فقال: والله لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجنا به يتكىء عليّ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقّ له رقة شديدة وأكب عليه يقبّله وأكب عليه المسلمون كذلك، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برّة لو دعوت لها فعسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.

    لا شك أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في خطر شديد، فقد كان لا يهدأ للمشركين بال إلا إذا أساءوا إليهم ولذلك كان الاستخفاء في غاية الحكمة، وبقي المسلمون مستخفين في دار الأرقم حتى كملوا أربعين رجلاً، وكان آخرهم إسلاماً عمر بن الخطاب، فلما كملوا به أربعين خرجوا وأظهروا إسلامهم.
    تلك شجاعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقوة إيمانه وصدق يقينه، لقد وقف أمام المشركين وجهاً لوجه ولم يبال بكثرتهم وعرّض حياته الغالية للخطر ليدعوهم إلى الحق، إلى عبادة الله الواحد القهار ونبذ الشرك وخلع الوثنية فأصيب بشر ما يصاب به إنسان وكاد يقضى عليه، فلما أفاق كان أول ما تلفظ به السؤال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ترتح نفسه وتطمئن حتى رآه بعينيه سالماً معافى، فأين هذا من الذين يخالفون عقائدهم ويميلون مع الأهواء وينضمون إلى من يأنسون فيه القوة ويعينون على الباطل لمتاع مؤقت لا يلبث أن يزول؟.



    لو كان المسلمون في بادىء أمرهم متهاونين مذبذبين لما ثبتت دعائم الإسلام وصار قوي الأركان، متين البنيان، بل لقُبِرَ في مهده، لكنه ارتفع على كواهل رجال أقوياء صادقين أدهشوا العالم بأعمالهم وجهادهم حتى خضعت لهم أمم الأرض فبمثل عمل هؤلاء فليهتد المصلحون.

    إظهار الإسلام سنة 613م
    أمر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يدعو الناس إليه ويأمرهم به، وكان بين إخفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتاره به وبين أمر الله تعالى إياه بإظهار دينه ثلاث سنين من بعثه، ثم قال الله تعالى له: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لله} (الحجر: 94)، أي لا تبالِ بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة، وقال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء: 214 ــ 215)، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، فقال: «يا معشر قريش»، فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا: ما لكَ يا محمد؟ قال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني؟» قالوا: نعم أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذباً قط، قال: «فإني نذير لكم بين يديْ عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة ــ حتى عدد الأفخاذ من قريش ــ إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله»، فقال أبو لهب: ــ تبّاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ ــ فأنزل الله تبارك وتعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ} (المسد: 1) السورة كلها، فلمّا سمع أبو لهب قوله: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ} قال: إن كان ما يقول محمد حقاً افتديت منه بمالي وولدي فنزل: {مَآ أَغْنَى



    عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (المسد: 2)، وكان أبو لهب إذا سأله وفد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه ساحر ومجنون لينصرفوا عنه قبل لقائه، وقد أغضبت هذه السورة أبا لهب فأظهر شدة العداوة وصار متهماً فلم يقبل قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه، ورُوي عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يقول: «أيها الناس: قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه، ويقول: لا تطيعوه فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد وعمه أبو لهب، أما امرأته فهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية فكانت أيضاً في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترمي الشوك في طريقه.
    وعن الزهري أنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام سراً وجهراً فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أنه غلام بني عبد المطلب يكلم من السماء فكان ذلك حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر فشنفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وعادوه.



    وعن ابن عتبة أنه قال: لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ومن معه وفشا أمره بمكة ودعا بعضهم بعضاً فكان أبو بكر يدعو ناحية سراً، وكان سعيد بن زيد مثل ذلك، وكان عمر وحمزة بن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح يدعون علانية، فغضبت قريش من ذلك وظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحسد والبغي وأشخص به منهم رجال فبادوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلا أنهم ينزهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أهل العداوة والمباداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل: أبو جهل بن هاشم وأبو لهب بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس بن عدي وهو ابن الغليطة، والوليد بن المغيرة، وأُبيّ بن خلف، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية والسائب بن صيفي بن عابد، والأسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هاشم، وعقبة بن أبي مُعيط، وأبو الأصدى الهذلي، والحكم بن أبي العاص، وعدي بن الحمراء، وذلك أنهم كانوا جيرانهم، والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله إليهم أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط، وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهل هداوة ولكنهم لم يشخصوا بالنبي صلى الله عليه وسلم نحو قريش ولم يسلم منهم أحد إلا أبو سفيان.k

    عبد الله بن مسعودأول من جهر بالقرآن



    كان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود، اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، فقالوا: إنا نخشاهم عليه إنما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني؛ فإن الله سيمنعني، فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: بسم الله الرحمن الرحيم: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءانَ} (الرحمن: 1، 2)، فاستقبلها فقرأ فتأملوا، فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
    وقيل: إن أبا جهل لطمه فشق أذنه وأدماه فانصرف وعينه تدمع فلما رآه النبي عليه السلام رقّ قلبه وأطرق رأسه مغموماً، فإذا جبريل عليه السلام يجيء ضاحكاً مستبشراً فقال: «يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي؟» فقال: ستعلم، فلما ظفر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد، فقال عليه السلام: «خذ رمحك والتمس في الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين»، فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع يخور، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه.

    الضرب والشتمحيلة الجهال المتعصبين



    إن كفار قريش، لم يفكروا في مناقشة ما يسمعون من الآيات القرآنية التي كان يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل كانوا يتهمونه بالكذب تارة أو بالجنون أو بالسحر ويضربون من يجهر بالقرآن، وهذا سلاح الضعيف الجاهل، إن رسول الله كان يعيب آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ويقول: إنها أصنام صنعتموها بأيديكم وهي لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر، فاتركوها واعبدوا الله خالق السماوات والأرض ويعدد لهم صفاته وقدرته جل شأنه، فلولا رسوخ العقيدة الباطلة في نفوسهم، والعقائد الباطلة القديمة، تشل عقل معتنقيها، نقول لولا رسوخ العقيدة، لحكموا عقولهم وبادروا إلى الإيمان بالله، لكن عزَّ عليهم أن يأتي رجل منهم ويتهمهم بالكفر والضلال ويعيب تلك الآلهة القديمة التي وجدوا آباءهم وأجدادهم يسجدون لها ويقدمون لها الذبائح والهدايا، فالتجأوا إلى الضرب والشتم وهذا شأن كل جاهل متعصب، ولما دخل رسول الله مكة فاتحاً وأمر بهدم تلك الأصنام التي كانوا يعتقدون أنها مقدسة لا يقدر أحد على إيصال الأذى إليها، وهدمت بالفعل ووجد أن لا حول لها ولا قوة وقتل من كان فيها من المشعوذين، أيقنوا أنهم كانوا في ضلال مبين فقال الرسول: {جَآء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء: 81)، فاللهم طهِّر قلوبنا من الشرك وأَمِتْنا مسلمين.

    القرآن يحيّر ألباب العرب



    تحيَّرت ألباب العرب في القرآن الذي نزل بلغتهم وهم أهل فصاحة وبلاغة، وخشيت قريش أن ينتشر الإسلام وينتصر النبي صلى الله عليه وسلم بدينه على الأصنام، فاتفقوا على إطلاق اسم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفّر القبائل منه، ويشوّه سمعته، ويكون عقبة في سبيل نشر دعوته، ذلك أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسمُ فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسمُ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقل به، قال: بل أنتم قولوا أسمع، قالوا: نقول كاهناً، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخَنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه، وهزَجه، وقريضه، مقبوضه، ومبسوطه فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحار وسحرهم فما هو بنفْثه ولا عقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعَذْق، وإن فرعه لجنَاةٌ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، والمرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر أحد إلا حذروه إياه، لكن النتيجة جاءت عكس ذلك فقد انتشر ذكره صلى الله عليه وسلم في بلاد العرب.


    وقد كان ضماد بن ثعلبة الأزدي صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكان رجلاً يتطيب ويرقي ويطلب العلم، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون، فجاءه وقال: إني راق فهل بك من شيء فأرقيك؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: «الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد»، فقال له ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وسمعت قول السحرة، وسمعت قول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات لقد بلغت ناعوس البحر فمد يدك أبايعك على الإسلام، فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده فبايعه وأسلم.

    وهكذا أخفق مسعاهم وسقط إفكهم والحسود لا يسود، والكذب لا تقوم له قائمة فلا بد أن يسود الحق ويكتسح الباطل أمامه.

    قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

    المفاوضة الأولى
    لما رأت قريش أن أبا طالب قد قام دون النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل السهمي ونبيه ومنبِّه ابنا الحجاج، وغيرهم، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه. فقال لهم أبو طالب قولاً جميلاً، وردهم رداً رقيقاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو عليه، هذه هي المفاوضة الأولى، لكنها لم تثمر شيئاً، إذ ظل الرسول يدعو إلى عبادة الله كما كان.




    المفاوضة الثانية
    ثم لما تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكروا في مفاوضة أبي طالب مرة أخرى، فمشوا إليه وقالوا: يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا وإنا قد اشتهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا، وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا، ثم انصرفوا عنه، ومعنى ذلك أنهم هددوا أبا طالب في هذه المرة وأظهروا له العداوة، فعظم عليه فراق قومه وعداوتهم له، ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذلانه، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه ما قالت قريش، وقال له: أبق على نفسك وعليّ ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه قد خذله وضعف عن نصرته، فقال له: «يا عماه والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب فأقبل عليه وقال: ــ اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً ــ فتدبر أيها القارىء في قوة رسول الله تلك القوة المعنوية العظيمة أمام شعب معاد معاند وشدة تمسكه بمبدئه إلى النهاية.

    المفاوضة الثالثة



    أصرّ أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه قياماً بالواجب على نحو من تربّى في كفالته ونشأ في بيته وعملاً بالمروءة، ولكنه مع ذلك بقي على دينه ولم يعتنق الإسلام لذلك صارت مهمته شاقة ومركزه حرجاً فأمامه قريش متعصبة لدينها وقد أغضبها قيام محمد صلى الله عليه وسلم بنشر الإسلام ومحاربة الأصنام، وصاحب الدعوة لا يثنيه عن القيام بما أُمر به سخرية ساخر أو اضطهاد مضطهد، فلو أن أبا طالب أسلم لكان دفاعه أعظم وحجته أبلغ أمام العرب وأحكم، لكنه ظل على دين آبائه ودافع عن رسول الله لا عن عقيدة بل أداء لواجب القرابة.
    وفي هذه المرة مشوا إلى أبي طالب بعُمارة بن الوليد، فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم فخذه فلك عقله ونصرته فاتخذه ولداً وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي سفّه أحلامنا وخالف دينك ودين آبائك وفرّق جماعة قومك نقتله فإنما رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله لا يكون أبداً. فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: لقد أنصفك قومك وما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك. وكلّ عاقل يرى أن ما عرضته قريش على أبي طالب في غاية السخف لكنهم كانوا يتلمسون الحيل للخلاص من صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأي حال، فلما يئسوا من إجابة طلبهم اشتدت قريش على من أسلم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وقام أبو طالب في بني هاشم فدعاهم إلى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوا إلى ذلك.

    تعذيب المسلمين
    أخذت قريش تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي من آمن به حتى عذبوا جماعة من المستضعفين عذاباً شديداً يدل على مبلغ تعصبهم وقسوتهم.



    فمن الذين عذبوا لأجل إسلامهم بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر، وكان أبوه من سبي الحبشة وأمه حمامة سبية أيضاً وهو من مولدي الشراة وكنيته أبو عبد الله فصار بلال لأمية بن خلف الجمحي فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرّمضاء على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فكان بلال وهو في هذه الحال يقول: «أَحَد.، أَحَد» فرآه أبو بكر يعذب، فقال لأمية بن خلف الجمحي: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ فقال: أنت أفسدته فأنقذه، فقال: عندي غلام على دينك أسود أجدل من هذا أعطيكه به، قال: قبلت، فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالاً فأعتقه، وقيل: اشتراه أبو بكر بخمس أواق، أما أمية بن خلف فقتله بلال، واشترك مع معاذ بن عفران وخارجة بن زيد وحبيب بن أساف. قال ابن إسحاق: أما ابنه عليّ فقتله عمار بن ياسر وحبيب بن أساف وذلك في موقعة بدر.


    ومن المعذَّبين: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسيُّ وهو بطن من مراد، وعنس هذا أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلاً، أسلم هو وصهيب في يوم أحد، وكان ياسر حليفاً لبني مخزوم فكانوا يخرجون عماراً وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء فمرّ بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، فمات ياسر في العذاب وأغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل فطعنها في فرجها بحربة فماتت وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر في شدة الحر على صدره تارة أخرى، فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمداً وتقول في اللات والعزى خيراً، ففعل فتركوه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقال: «ما وراءك؟» فقال: شر يا رسول الله كان الأمر كذا وكذا، فقال: «فكيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئناً بالإيمان، فقال: «يا عمار إن عادوا فعد»، فأنزل الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَنِ} (النحل: 106).
    ومنهم خبَّاب بن الأرت وكان إسلامه قديماً، قيل: سادس ستة قبل دخول رسول الله دار الأرقم فأخذه الكفار وعذبوه عذاباً شديداً فكانوا يعرّونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرَّضْف وهي الحجارة المحماة بالنار ولووا رأسه فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا، وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الكوفة ومات سنة سبع وثلاثين، وقال عليّ رضي الله عنه: رحمه الله إنَّ خبَّاباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتغى في جسمه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.



    ومنهم صُهيب بن سنان الرومي كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبا يحيى» قبل أن يولد له، وكان ممن يعذب في الله فعذب عذاباً شديداً فلما أراد الهجرة منعته قريش فافتدى نفسه منهم بماله أجمع وجعله عمر بن الخطاب عند موته يصلي بالناس إلى أن يستخلف بعض أهل الشورى.
    ومنهم عامر بن فهيرة مولى الطفيل بن عبد الله، وكان الطفيل أخا عائشة لأمها أم رومان أسلم قديماً قبل دخول رسول الله دار الأرقم وكان من المستضعفين يعذب في الله فلم يرجع عن دينه واشتراه أبو بكر وأعتقه، ولما خرج رسول الله وأبو بكر إلى الغار مهاجرين أمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة أن يروح بغنم أبي بكر عليهما وكان يرعاها وهاجر معهما إلى المدينة يخدمهما، وشهد عامر بدراً وأُحُداً وقُتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة .
    ومنهم لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن كعب أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب وكان يعذبها حتى تفتن ثم يدعها ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة، فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
    هذه أمثلة ذكرتها ليتضح للقارىء اشتداد العذاب على هؤلاء المساكين رجالاً ونساءً.
    ومما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الإيذاء ما قاله ابن عمر كما في البخاري: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله فلفَّ ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ثم قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله.



    وفي رواية البخاري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء بهم ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك فانطلق منطلق إلى فاطمة فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً حتى ألقته (ثمّ أقبلت) عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم عليك بقريش»، ثم سمى فقال: «اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد»، وقد سقطوا جميعهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى قليب بدر، أما عقبة بن أبي معيط فكان من أسرى بدر وأمر رسول الله بقتله.

    ما عرضته قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم



    قال عتبة بن ربيعة يوماً وهو جالس في نادي قريش والنبي عليه الصلاة والسلام جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلّمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم كفرَّت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قل يا أبا الوليد أسمع»، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد»؟ قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، قال: أفعل، قال: «بسم الله الرحمن الرحيم: {حم تَنزِيلٌ مّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَبٌ فُصّلَتْ ءايَتُهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} (فصلت:1 ــ 4)، ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليه، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك».


    فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كُفِيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.


    لقد ظن أبو الوليد في بادىء الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ما يعرضه عليه من مال وجاه وملك فأظهر له استعداد قريش لمنحه كل ما يبغي على ألا يتعرض لدينهم ولا يدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام، ظن ذلك لأن الإنسان ولا سيما الفقير المحتاج يطمع في المال وتغره أبهة الملك فيتشبث بهما ويسعى إليهما ما وجد للسعي سبيلاً، ولو كان أبو الوليد عرض ذلك كله أو بعضه على غير النبي صلى الله عليه وسلم لاغتبط به واتفق مع قريش في الحال وأراح نفسه وأصحابه من العناء والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل في كل وقت. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن طامحاً إلى شيء من ذلك أصلاً ولم يكن في وسعه أن يتنحى عن الدعوة إلى الإسلام مهما حاولت قريش صرفه عنها، ألا ترى أنه قال لعمه أبي طالب: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته»، وما ذلك إلا لأن الله سبحانه قد أمره بنشر الدعوة حيث قال: {يأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} (المدثر: 2، 1)، وقال عزّ شأنه: {وَلِرَبّكَ فَاصْبِرْ} (المدثر: 7)، أي: اصبر على مشاق التكاليف وأذى المشركين، فكيف بعد هذا الأمر الإلهي تخور عزيمته وتفتر قوته ولا يصبر على كل ما يصيبه من الإيذاء؟ بل كيف يغتر بحطام الدنيا وينخدع لما تعرضه عليه قريش من ملك وجاه ومال.


    ولما رأت قريش أن رسول الله قد رفض ما عرضوه عليه قالوا له: يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيِّر عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصيّ بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول، فقال: «ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم»، قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك مَلكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله: «ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بُعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً ــ أو كما قال ــ فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم»، قالوا: فأسقط السماء علينا كِسفاً كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال رسول الله: «ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل»، قالوا: يا محمد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، إنه قد بلغنا إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا لا نؤمن بالرحمن


    أبداً فقد اعتذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً، فلما قالوا ذلك لرسول الله قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك، ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجِّل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل ثم قال له: فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك مع أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدّقك ثم انصرف رسول الله إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.j


    إن هذه المطالب التي طلبتها قريش من النبي صلى الله عليه وسلم مطالب مدهشة تدل على شدة تعنتهم وعنادهم وعلى أنهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا إذا شاهدوا المستحيلات ورأوا خوارق العادات ولذلك سألوا رسول الله أشياء عجيبة لا تخطر على البال بقصد تعجيزه والتشهير به فسألوه أن يغيّر طبيعة بلادهم فيسيّر الجبال ويفجر الأنهار ويحيي الموتى أو أن يجعل الله له الجنان والقصور ويعطيه الكنوز، فهذه مطالب عبّاد المادة عباد الأصنام، ثم ما أسخف ما سأله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الذي طلب أن يتخذ النبي عليه الصلاة والسلام سلماً إلى السماء ويأتي بصك وأربعة ملائكة يشهدون معه على صحة ما يقول، ولماذا كل هذا؟ ليؤمن عبد الله بن أبي أمية هذا وقد قاسى الأنبياء صلوات الله عليهم الصعاب في سبيل هداية الكفار الذين كانوا يرمونهم بالضلال والسفاهة والجنون والسحر، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأعراف: 59)، فبماذا أجابوه على ذلك؟ {قَالَ الْمَلاَ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ} (الأعراف: 60).
    ولما دعا هود عليه السلام قومه على عبادة الله رموه بالسفاهة والكذب، قال تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ} (الأعراف: 65، 66).



    ولما أظهر موسى عليه السلام المعجزة وألقى العصا فانقلبت ثعباناً ادّعوا أنه ساحر، قال تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآء لِلنَّظِرِينَ قَالَ الْمَلاَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 107 ــ 109) فالمتعنتون لا يؤمنون مهما رأوا من الآيات البينات وخوارق العادات: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} (الأعراف: 132)، فهل بعد ذلك مكابرة وإصرار على الكفر؟.

    حماقة أبي جهل
    لما عاد رسول الله آسفاً من عناد قومه وتشبّثهم بالكفر قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه. ومن هذا تظهر عداوة أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه العداوة أخرجته عن حد العقل فأخذ يسلك سلوك الجهال ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذ النبي من شره ونجّاه من غدره.



    كان أبو جهل فرعون هذه الأمة اسمه عمرو بن هشام، قتل يوم بدر كافراً وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، قتله عمرو بن الجموح وابن عفراء الأنصاريان، وكانا حدثين وحديثهما في الصحيح مشهور، وفي كتب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه مقتولاً قال: «قُتل فرعون هذه الأمة» وقد كان سيّىء الخلق فظّاً غليظ القلب، فمن ذلك أنه ظلم تاجراً قدم من زبيد بثلاثة أجمال حسان فسامها منه أبو جهل بثلث أثمانها ثم لم يسمها لأجله سائم فأكسد عليه سلعته ولم ينصفه غير رسول الله لأنه ساومه حتى ألحقه برضاه وأخذها رسول الله فباع جملين بالثمن وأفضل بعيراً باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه، وكان وصياً على يتيم فأكل ماله وطرده فاستعان اليتيم بالنبي صلى الله عليه وسلم فمشى معه ورد إليه ماله منه.
    وابتاع من شخص يقال له الأراشي أجمالاً بأثمانها فلما استعان الرجل برسول الله وذكر له أنه غريب وابن سبيل وأن أبا جهل غلبه على حقه قام معه إلى أبي جهل وضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: «محمد»، فخرج إليه وقد امتقع لونه، فقال: «أعط هذا الرجل حقه»، فامتلأ رعباً وأعطى الرجل حقه، هذا هو أبو جهل وهذا شيء من غلظته وجوره وهضمه للحقوق.
    وفي كتاب «قاموس الإسلام» الطبعة الثانية سنة 1896 ص 8: «إن أبا جهل كان فخوراً فاجراً».
    Dictionar of Islam. 2nd edition. )1896(, Page 8.

    قريش تمتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم



    لم تكتفِ قريش بهذا كله بل أرادوا إحراجه عليه الصلاة والسلام بالأسئلة فبعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاثة نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح وما هي، فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم.
    فجاءوا رسول الله فقالوا: يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح وما هي؟.
    فقال لهم رسول الله: «أخبركم بما سأَلتم عنه غداً» ولم يستثن، فانصرفوا عنه فمكث رسول الله خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه وحياً ولا يأْتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سأَلناه عنه، فشق على الرسول تأْخير الوحي وما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سأَلوه عنه.



    قال المفسرون: إن القوم لما سأَلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث قال عليه السلام: «أجيبكم عنها غداً» ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً ثم نزل قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لاِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} (الكهف: 23، 24)، والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا القول ــ إن شاء الله ــ هو أن الإنسان إذا قال سأَفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد ولم يبعد أيضاً لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق فإِذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد، والكذب منفِّر وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام.

    جاء جبريل من الله عز وجل بخبر ما سألوه عنه، فقال تعالى في شأن الفتية: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءايَتِنَا عَجَبًا} (الكهف: 9)، وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطوّاف: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرْضِ وَآتَيْنَهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً} (الكهف: 83 ــ 85) إلى آخر القصة.
    وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85).
    وقد أيد هذه الرواية الدكتور ولفنسون الإسرائيلي مدرّس اللغات السامية بالجامعة المصرية ودار العلوم فقال في رسالته (تاريخ اليهود في بلاد العرب) صفحة 98 ما يأتي:



    «وينفي بعض المستشرقين صحة هذه القصة الخطيرة دون أن يأتوا بدليل نطمئن إليه، والحق أن من العسير إنكار رواية تاريخية كانت سبباً في نزول سورة الكهف والآيات الخاصة بالروح وذي القرنين وعندنا دليل يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الرواية من المحتمل أن تكون واقعية، وهي أن في التلمود قصة مشهورة تشبه قصة أهل الكهف ومن هذه القصة أخذ أحبار اليهود الأسئلة التي وجهوها للرسول بواسطة وفد قريش، ويؤيد هذه القصة ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن بمكة أحد من اليهود؛ إذ لو وجد منهم في مكة ما أوفد قريش وفدهم إلى المدينة ليسألوا أحبار اليهود عن شأن النبي وإذا وجد منهم أحد فلا بد أن يكون غير عالم».
    وأنزل الله عليه صلى الله عليه وسلم فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الاْرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للَّهِ الاْمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت.



    وأنزل عليه في قولهم خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جناناً وقصوراً وكنوزاً ويبعث ملكاً يصدقه بما يقول ويرد عنه: {وَقَالُواْ مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الاْسْوَاقِ لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الاْمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً تَبَارَكَ الَّذِى إِن شَآء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلِكَ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} (الفرقان: 7 ــ 10) أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش: {جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} (الفرقان: 10).

    وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الاْنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ قُلْ سُبْحَنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً لله} (الإسراء: 90 ــ 93).


    وأنزل عليه في قولهم إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبداً: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبّى لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} (الرعد: 30).
    وأنزل عليه فيما قال أبو جهل وما همَّ به: {أَرَأَيْتَ الَّذِى يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى أَرَءيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} (العلق: 9 ــ 19).
    وأنزل الله عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيدٍ} (سبأ: 47)

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  






Powered by vBulletin® Version 4.2.2
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.1